حصاد زراعة ديمقراطية جورش بوش شوز والقرد الاسود بر اك حسين اوباما في العراق هلهولة لحكومة مجرمي سلطة الاحتلال وبرلمان خرسان وطرشان وعميان الاحتلال ياخونة حرامية مصيركم سوف يكون مثل مصير اي عميل اميركي وانكليزي وايراني ومصير اي نظام دكتاتوري جاء بقطار اسيادهم الامبريالين الامريكان

IRAQI REVOLUTIONARY MAOIST ORGANIZATION - IRMO المنظمة الماوية الثورية العراقية - جبهة نجوم الحمراء




الكفاح المسلح الطريق الوحيد للتحرير

الكفاح المسلح الطريق الوحيد للتحرير







2012-12-09

كتاب - خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية برؤية ماركسية - الجزء الاول

الرفيق حسقيل قوجمان

خارطة طريق الولايات المتحدة برؤية ماركسية

Y. Kojaman
The Road Map of
The United States of America
Copyright © Y. Kojaman
First published 14 July 2003
116 Hanover Road
London NW10 3DP
Tel/Fax: 020 8357 0690
www.kojaman.co.uk Website:
Printed in London
U.K.

المحتويات
الموضوع الصفحة
المحتويات ٥
خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية ٧
تمهيد ٩
الولايات المتحدة رائدة الديمقراطية في العالم ١٢
الديمقراطية برؤية ماركسية ١٥
الحرب العالمية الثالثة ٢١
ماهو الارهاب؟ ٢٢
الحرب كوسيلة للازدهار الاقتصادي ٢٦
حتمية الحرب العالمية في عصرنا ٣٠
طبيعة الحرب العالمية الثالثة ٣٢
خارطة طريق الولايات المتحدة في النزاع الاسرائيلي الفلسطيني ٣٤
خارطة طريق الولايات المتحدة في العراق ٤٢
من هو الشعب العراقي؟ ٦٠
عراق تسيطر عليه الولايات المتحدة وبريطانيا ٦٤
فما هو مصير العراق بعد صدام والاستعمار؟ ٦٨
ما العمل اذن؟ ٧١
للمؤلف ٧٦


خارطة طريق الولايات المتحدة
برؤية ماركسية
في فترة الاعداد لغزو العراق ظهر في الميدان السياسي حول الحرب الفلسطينية الاسرائيلية ما سمي "خارطة الطريق". واشتد الحديث عن هذه الخارطة قبل وأثناء الغزو الاميركي البريطاني للعراق حيث ادعت الادارة الاميركية ورئيسها بوش بأن خارطة الطريق سيجري اعلانها وتسليمها وتحقيقها بصورة جدية بعد الانتهاء من احتلال العراق او ما سمي بحرب تحرير العراق. وفعلا ابرت الادارة الاميركية بوعدها فسلمت خارطة الطريق الى طرفي النزاع، الحكومة الاسرائيلية والحكومة الفلسطينية فور تحقيق المطلب الاميركي الاسرائيلي بخلق منصب رئيس وزراء للحكومة الفلسطينية وتعيين رئيس وزراء لها مع التأكيد على تأييد الولايات المتحدة وأسرائيل لاختيار محمود عباس (أبو مازن) لهذا المنصب المستحدث مع اصرار ابو مازن على تعيين محمد دحلان في الوزارة الجديدة.
الحقيقة ان خارطة الطريق هذه وخرائط طريق اخرى يجري اعلانها في اماكن مختلفة من العالم ليست سوى اجزاء صغيرة متفرقة من خارطة طريق كبرى اوسع وأشمل منها هي خارطة طريق الولايات المتحدة الاميركية. وهي خارطة طريق سلكتها وما زالت تسلكها وستواصل سلوكها كل ادارات الولايات المتحدة بدون استثناء منذ الحرب العالمية الثانية والى امد غير محدود وغير معروف النتائج. فخارطة طريق الولايات المتحدة هي موضوع هذا البحث وسيجري بحث خرائط الطريق الجزئية الاخرى في سياق البحث مع التأكيد على خارطة طريق الولايات المتحدة في العراق وخارطة طريق الولايات المتحدة في فلسطين باسهاب كمثالين على هذه الخرائط الاميركية.
ما سبب اصرار الادارة الاميركية على خارطة الطريق هذه وما الذي يجعل جميع رؤساء الولايات المتحدة ملتزمين بهذه الطريق؟ اليس بين هؤلاء الرؤساء من يحب السلام، يحب البشرية، يحب العدالة الانسانية؟ قد يكون رئيس الولايات المتحدة بصفته الشخصية كانسان يحب الانسانية ويحب السلام. ولكن رئيس الولايات المتحدة بصفته رئيس لها ليس انسانا مستقلا يتصرف بارادته وحسب رغباته. انه رئيس الولايات المتحدة وعليه ان يسلك الطريق التي تفرضها عليه مصالح الطبقة التي يمثلها، طبقة الراسماليين الاميركيين. انه انسان مسير لا مخير. والطبقة الراسمالية ذاتها مثل رئيسها ليست مخيرة بتصرفاتها بل مسيرة. فالراسمالي عبد لراسماله ويجب ان يخدم مصالح راسماله والا نبذه راسماله ومال الى عبد راسمالي اخر. والراسمالية تخضع لقوانين طبيعية تفرض نفسها وتفعل بصرف النظر عن ارادة الراسماليين ورغباتهم. والقانون الاساسي للراسمالية الاحتكارية هو اجتناء الحد الاقصى من الارباح. ولا يتحقيق هذا القانون الا بزيادة استغلال واستعباد شعوبها وشعوب العالم الاخرى. وكلما ازداد تطور الصناعات المدنية والعسكرية ازدادت الحاجة الى المزيد من اسواق المواد الخام اللازمة للصناعة واسواق توزيع البضائع المنتجة واسواق استغلال الراسمال المتراكم في ارجاء العالم لمضاعفة الارباح. وعلى رئيس الولايات المتحدة ايا كان ان يضمن للراسمالية الاميركية سلوك هذه الطريق طالما بقي رئيسا للولايات المتحدة. واذا فكر احدهم ولو لحظة واحدة في السير بخلاف هذه الطريق فان الراسمالية التي اختارته رئيسا لها تنبذه نبذ النواة وتزيحه لتأتي برئيس يضمن لها مصالحها. وهدف خارطة طريق الولايات المتحدة الحالي هو عولمة الراسمال الاميركي، اي سيطرة الراسمال الاميركي على اقتصاد العالم كله، لا فرق بين صديق وعدو، واستخدام كل الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك من حروب واحتلال واستعمار واستعباد وتدمير الدول الراسمالية المنافسة.
تمهيد
بدأت خارطة طريق الولايات المتحدة في الواقع اثناء الحرب العالمية الثانية. فمن المعروف ان الولايات المتحدة لم تدخلها الا اضطرارا بعد الهجوم الياباني المفاجئ على برل هاربر. ولكن الولايات المتحدة اصبحت منذ بدء الحرب المجهز الاوحد للاطراف المتحاربة بالاسلحة والمعدات والمواد الغذائية والملابس وكل شيء مما ادى الى ازدهار صناعتها في جميع الميادين الى مستويات هائلة. ولم تتوقف هذه العملية بعد دخول الولايات المتحدة طرفا في الحرب. اذ حتى بعد دخولها الحرب كان عدد ضحاياها في حوادث الطرق اكثر من ضحاياها في الحرب. وكانت الولايات المتحدة الاميركية الدولة المتحاربة الوحيدة التي لم تطلق على اراضيها خلال الحرب طلقة واحدة من طلقاتها. وقد ادى ذلك الى ان تصبح الدول المتحاربة غريقة قروض اميركية كان عليها ان تسددها بعد الحرب او ان تتنازل في مقابلها عن جزء كبير من مستعمراتها تسديدا لديونها. وكان من ضمن ذلك ارساء قواعد عسكرية وقوات عسكرية في البلدين الحليفين بريطانيا وفرنسا وفي بلدان المحور المانيا وايطاليا واليابان. وما زال هذا الاحتلال قائما الى يومنا هذا.
بدأ اعداد الولايات المتحدة للحرب العالمية الثالثة قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية باسقاط قنبلتين ذريتين على هيروشيما وناكازاكي. ومعروف للعالم اجمع اليوم ان القاء القنابل الذرية لم يكن لضرورات عسكرية نظرا الى ان الحرب كانت منتهية عسكريا. كما ان القنابل القيت على مدينتين مدنيتين لا اثر فيهما لاية اهداف عسكرية ولم يكن بين ضحاياها جندي واحد. كان الهدف من القاء القنبلتين ارهاب العالم بهذا السلاح الهائل الذي كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي تحوز عليه واجبار الاصدقاء والاعداء على الخضوع لارادة هذه الدولة الجبارة خوفا من هذا السلاح.
انتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار الاتحاد السوفييتي والحلفاء على دول المحور الفاشستية. وقد ادى خروج الاتحاد السوفييتي منتصرا الى انسلاخ واسع النطاق من نفوذ العالم الامبريالي الاستعماري بظهور المعسكر الاشتراكي الذي يضم الديمقراطيات الشعبية في اوروبا الشرقية واسيا. وتعزز ذلك بانتصار الثورة الصينية وتحرير الصين من نظام جان كاي جك والولايات المتحدة الاميركية سنة ١٩٤٩.
في الجانب الثاني استطاعت الولايات المتحدة ان تخضع دول المحور والدول الامبريالية المنتصرة، بريطانيا وفرنسا، خضوعا عسكريا واقتصاديا وسياسيا تاما وسيطرت عليها اقتصاديا عن طريق مشروع مارشال.
كان من نتائج الحرب العالمية الثانية نشوء هيئة الامم المتحدة بديلا عن عصبة الامم التي انتهى امرها لدى اندلاع الحرب. ولكن هذه الهيئة الدولية كانت منذ البداية اداة خاضعة لنفوذ الولايات المتحدة الاميركية كما كانت مثيلتها عصبة الامم خاضعة لبريطانيا وفرنسا. فان مقر هذه الهيئة في نيويورك وكانت الولايات المتحدة وما زالت الممول الرئيسي لها، وكانت اغلب الدول المؤسسة للهيئة دولا خاضعة للنفوذ الاميركي. وفي مجلس الامن كانت ثلاث من الدول الكبرى الخمس التي تتمتع بحق الفيتو دولا خاضعة للنفوذ الاميركي، بريطانيا وفرنسا وصين جان كاي جك التي اصبحت تايوان بعد انتصار الثورة الصينية في ١٩٤٩. ولم يكن يحد من سيطرة الولايات المتحدة هذه سوى الاتحاد السوفييتي الذي كان يحبط بعض قرارات مجلس الامن باستخدام حق الفيتو.
وفي ١٩٤٧ بدأ وينستن تشرتشل، رئيس الوزراء البريطاني خلال الحرب، في خطاب القاه في الولايات المتحدة، دعوته الى فرض ستار حديدي حول الاتحاد السوفييتي والتهديد باستغلال القنابل الذرية، قبل حصول الاتحاد السوفييتي على مثل هذا السلاح، فكان ذلك بداية ما سمي بالحرب الباردة.
كان من اول مظاهر خارطة طريق الولايات المتحدة بعد الحرب، الحرب الاهلية في الصين التي وقفت الولايات المتحدة فيها الى جانب حكومة جان كاي جك وزودتها بالسلاح بغية القضاء على الجيش الشيوعي الصيني. ولكن جهودها منيت بالفشل وانتصر الجيش الشيوعي الصيني على جيوش جان كاي جك الذي فر الى جزيرة تايوان وكون حكومة اعتبرتها الولايات المتحدة الحكومة الشرعية للصين وابقت عضويتها في هيئة الامم المتحدة ومجلس الامن رغم انها لا تشكل الا نقطة في بحر الصين الحقيقية.
ثم جاءت الحرب الكورية حين ارادت الولايات المتحدة القضاء على الدولة الديمقراطية الشعبية التي نشأت في شمال كوريا والحاقها بجنوب كوريا التي تحتلها الولايات المتحدة الاميركية. الا ان الولايات المتحدة جابهت المعسكر الاشتراكي كله في حربها هذه. فالمعسكر الاشتراكي كان يعتبر اي هجوم على اي جزء من المعسكر هجوما على المعسكر الاشتراكي كله. ودخلت الصين بملايينها لمحاربة الولايات المتحدة الى جانب جيوش كوريا الشمالية مما احبط خطط الولايات المتحدة في القضاء على كوريا الشمالية. وكانت تجربة الحرب الكورية تجربة قاسية بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية اذ كان عليها بعدها ان تحسب الف حساب قبل مهاجمة اية دولة من دول المعسكر الاشتراكي. ومما يجدر ذكره ان الولايات المتحدة شنت حربها الكورية تحت علم الامم المتحدة اذ نجحت في اتخاذ قرار في مجلس الامن يخولها شن الحرب على كوريا الشمالية.
وواصلت حكومات الولايات المتحدة مسيرتها في خارطة الطريق فجاءت الحرب الفيتنامية وحروب اخرى متتالية في البوسنة والهرسك وكوسوفو وحرب الخليج وغيرها عدا الحروب والانقلابات واغتيالات الرؤساء المتمردين على سيطرة الولايات المتحدة مثل الانقلاب ضد سوكارنو في اندونيسيا وضد اللندي في شيلي وفي بلدان اخرى عديدة والعقوبات الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة على الدول المقاومة لسيطرتها مثل كوبا وغيرها. وكانت الولايات المتحدة تشن اكثر هذه الحروب وكأنها حروب الامم المتحدة.
الولايات المتحدة رائدة الديمقراطية في العالم
بما ان هذا البحث جاء نتيجة للحرب الاميركية البريطانية على العراق واحتلالها للعراق عسكريا اتناول موضوع الديمقراطية بالعلاقة بحرب الولايات المتحدة وبريطانيا في العراق.
زعم بوش ونظيره بلير انهما يهاجمان العراق لنزع اسلحة الدمار الشامل ولاسقاط نظام صدام حسين وارساء نظام ديمقراطي في العراق يكون مثالا يحتذى في الشرق الاوسط وهو ما سماه كولن باول اعادة تنظيم خارطة الشرق الاوسط. ولكن بيلغر نقل عن باول تصريحا اقتبسه من "سيدني مورننع هيرالد" قال فيه "سيكون لاميركا وجود ومصالح دائمة في اسيا الوسطى ذات نوع لم يمكن ان نحلم به قبل الحادي عشر من سبتمبر". (بيلغر ص ١٠٨)
اية ديمقرطية يستطيع بوش ان يؤسس في العراق؟ وما هو مفهوم الديمقراطية لدى بوش؟ بالطبع ليس بامكان بوش ان يحقق ديمقراطية في العراق او في اي مكان اخر من العالم يختلف عن ديمقراطية بوش نفسها. علينا ان نعرج على ديمقراطية بوش او بلير او جميع الديمقراطيات الغربية المعروفة بما فيها روسيا التي جاءت نتيجة ادعاء قادة الاتحاد السوفييتي بعد وفاة ستالين انهم يقومون بالغاء الدكتاتورية وتحقيق الديمقراطية.
ان ما تتبجح به هذه الدول هو انها تمنح شعوب بلادها حريات واسعة, مثل حرية الصحافة وابداء الرأي، حرية التنظيم الحزبي والنقابي، حرية كل شخص بابداء رأيه حتى ولو كان ذلك ضد الملوك والرؤساء، حق كل انسان في التصويت في الانتخابات البرلمانية, حق التظاهر والاضراب الخ...
لنأخذ على سبيل المثال حرية الصحافة. ان حرية الصحافة متاحة قانونا لكل فرد في هذه البلدان الديمقراطية. وصحيح ان بعض الجماعات والافراد ينجحون في اصدار صحف معارضة وخصوصا صحف الاحزاب والنقابات المعارضة في هذه البلدان. ولكن حرية الصحافة متاحة ايضا لامثال مردخ الذي يسيطر على وسائل الاعلام بما فيها الصحف والمجلات ومحطات الاذاعة والتلفزيون وشركات السينما في هوليوود وحتى نوادي كرة القدم ليس في استراليا وحسب بل في بريطانيا والولايات المتحدة ايضا. فكيف يستطيع فرد او جماعة معارضة ان تتبارى مع مثل هؤلاء العمالقة في وسائل الاعلام؟ ثم هل حرية الصحافة حرية مطلقة في هذه البلدان؟ بالطبع لا. فالحكومات تستطيع بقوانينها ان تمنع الصحف عن الانتقادات التي تؤثر على مصالحها بواسطة الرقابة على الصحف وغلقها واعتقال محرريها وغير ذلك من الوسائل بحجة المحافظة على النظام. وكيف يستطيع العامل العاطل او الفلاح الفقير الجاهل او المشرد الذي لا يجد مكانا يلجأ اليه فينام في الشوارع ان يعبر عن رايه في هذه الصحافة الحرة؟ صحيح ان هؤلاء يتمتعون قانونا بنفس الحرية التي يتمتع بها مردخ من حرية للصحافة ولكن البون شاسع بين هذا وذاك.
ومن مظاهر الديمقراطية حق التظاهر. وهو حق معترف به في الديمقراطيات الغربية ولو ان هذا الحق مشروط في اغلب الاحيان بالحصول على موافقة السلطات على ممارسته. وقد شاهدنا مظاهرات الملايين في ارجاء العالم ضد الحرب على العراق قبل نشوبها. وفي لحظة كتابة هذه السطور نسمع عن مظاهرة كبيرة تجري ضد العولمة في ايفيان الفرنسية بمناسبة انعقاد مؤتمر رؤساء الدول الصناعية الثماني الكبرى. وقد رأينا كيف حمل المتظاهرون صور بوش مرفقة بالسواستيكا النازية وصورة بوش مع حبيبته بلير. فهل هناك اكثر من هذه الحرية؟ ولكن ما ان تتعرض المظاهرات لبعض المصالح الراسمالية بصورة جدية الا ويصبح قمعها متاحا قانونا وفي سبيل ذلك تستعمل كل وسائل القمع من الشرطة والجيش والاعتقالات والسجون واستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه وحتى اطلاق النار على المتظاهرين اذا تطلب الامر. ولدينا مثال على ذلك حدث عند اضراب عمال الفحم في بريطانيا سنة سنة ١٩٨٤.
والديمقراطية تكفل حق الاضراب للعمال للمطالبة بزيادة الاجور وتحسين ظروف عملهم. وفي تاريخ هذه البلدان العديد من الاضرابات الناجحة احيانا والفاشلة احيانا اخرى. وليس غريبا عن المتتبع في هذه البلدان المؤامرات التي تحاك من اجل تحطيم الاضرابات الواسعة النطاق وتجاهل الاضرابات وترك العمال يقاسون من استمرار اضراباتهم واستخدام عملاء لكسر الاضرابات وغير ذلك من وسائل تحطيم الاضرابات.
ومن الحقوق الديمقراطية التي نالها العمال في عصرنا حق البطالة. ففي العصور الاولى للراسمالية كانت القوانين تعاقب العامل العاطل او الهارب من المعمل لعدم تحمله ظروف العمل القاسية فيه بعقوبات تبلغ احيانا حكم الاعدام. ولكننا في عصرنا نشاهد عشرات الملايين من العاطلين في مختلف هذه البلدان وبصورة دائمة. بل ان العمال العاطلين يتمتعون حتى بحق التصدق عليهم من اموال الدولة لابقائهم على قيد الحياة. وحق البطالة مكفول لكل انسان في البلدان الديمقراطية ولا فرق في ان يقضي العاطل من اصحاب البلايين وقته بالمقامرة في البورصة نهارا والمقامرة على موائد القمار في مونت كارلو ليلا او ان يقضي العامل العاطل وقته في التفتيش في القمامة عن لقمة خبز تسد رمقه. فالانسان يتمتع بكامل حريته في الديمقراطية. ومن حق كل بريطاني ان ينام تحت الجسر كما قال احد كبار مفكري بريطانيا ولعله كان برنارد شو. فحين كان فقراء لندن ينامون تحت جسر تشارينغ كروس وتقوم منظمة الصليب الاحمر بتقديم الشاي لهم مجانا كل مساء بحيث تحول تحت الجسر الى موقع سياحي. فكما يزور السائح تغيير الحرس الملكي في قصر بكينغهام صباحا يزور تحت الجسر ليلا للتفرج على فقراء لندن الذين يفترشون قطع الكرتون ليناموا نوما هادئا تحت الجسر قد تكون نومتهم الاخيرة من شدة البرد احيانا. ومن حق كل اميركي ان يعيش في اكواخ الصفيح في ظل الديمقراطية. كل هذه الحريات الديمقراطية قائمة في الولايات المتحدة الاميركية وصنوها الديمقراطية التاريخية العتيدة بريطانيا وهما تستطيعان ان توفرا قسما منها في العراق ايضا.
ولكن هناك حق ديمقراطي اخر يندر ذكره لدى التحدث عن الديمقراطية. حق كل انسان اميركي او بريطاني او كل انسان في الدول الامبريالية في استغلال الطبقات الكادحة من الشعب في بلاده واستغلال شعوب العالم كله. هذا الحق الديمقراطي هو اهم الحقوق الديمقراطية في جميع هذه البلدان الديمقراطية. وفقا لهذا الحق يحق للدولة ان تعاقب كل من تخوله نفسه المساس بهذا الحق المقدس الذي يسمى عادة حق الملكية الخاصة. ولهذا الغرض تحتاج الدولة الى القوانين والجيش والشرطة والمحاكم والسجون ووسائل الاعلام بشتى اشكالها اضافة الى الاستخبارات والمؤامرات واسقاط الحكومات المعارضة واغتيال الرؤساء المنتخبين وغير ذلك. هنا دور الدولة الرئيسي، الدكتاتورية السافرة بابشع صورها، كما شاهدناه ونشاهده كل يوم في ارجاء العالم وفي الديمقراطيات الراسمالية ذاتها. فتحقيق الديمقراطية للطبقة الحاكمة في استغلال شعوبها وشعوب العالم جلبت سلسلة غير متناهية من الحروب والمجازر وابادة الشعوب منذ نشوء الدول الراسمالية وحتى يومنا هذا حيث نعيش الحرب العالمية الثالثة التي اعلنتها الولايات المتحدة على العالم كله يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١.
الديمقراطية برؤية ماركسية
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي اخذ الناس عموما يتحدثون عن فشل الماركسية وثبوت خطلها مستندين بذلك الى زوال اول دولة اشتراكية في التاريخ رغم ان هذه الدولة انجزت خلال ١٥ عاما من الناحية الاقتصادية والصناعية اكثر مما انجزته الراسمالية في اربعة قرون وبلغت من القوة والمتانة ما مكنها من تحطيم اكبر قوة عسكرية عرفها التاريخ حينذاك، المانيا النازية، وانقاذ العالم من شرورها وعبوديتها.
والواقع ان هناك فرقا بين انهيار الدولة الاشتراكية وبين الماركسية. فالدولة الاشتراكية هي نظام حكم معرض للهجوم شأنه في ذلك شأن اي نظام حكم اخر وبالامكان تحطيمه واسقاطه بمثل هذا الهجوم سواء من الداخل ام من الخارج.
اما الماركسية فهي قوانين اجتماعية طبيعية كانت تفعل قبل اكتشافها وما زالت تفعل بعد اكتشافها رغما عن ارادة الانسان وبصرف النظر عن رغباته ومصالحه الخاصة. لذا فمن المستحيل تحطيم او الغاء او تغيير اتجاه هذه القوانين. وأكبر برهان على ذلك ان الراسمالية رغم تطورها الهائل في العلوم والتكنولوجيا والصناعة لم تستطع التغلب او القضاء على اي من هذه القوانين، لناخذ قانون الازمة الاقتصادية في النظام الراسمالي مثلا. راينا ان في كل ازمة اقتصادية منذ وقوع اول ازمة سنة ١٨٢٥ وحتى اليوم كانت ابواق الراسمالية من الاقتصاديين تدعي بانها تغلبت عليها ووجدت الحلول لاستمرار تطور الراسمالية وازدهارها الاقتصادي بدون الازمات. ولكن الازمات تكررت بصورة دورية وتطورت بحيث ان النظام الراسمالي دخل فيما يسمى الازمة العامة واختفت فترة الرواج التي كانت تنتهي بها كل ازمة واصبحت البطالة والكساد ظاهرتين مستمرتين في النظام الراسمالي. وقد رأينا ان الهدفين اللذين حددهما جورج بوش الابن للحرب العالمية التي اعلنها يوم ١١ سبتمبر فور الهجوم على مركز التجارة العالمي والبنتاغون هما اولا القضاء على الارهاب وتحقيق عالم بدون ارهاب وثانيا انقاذ الاقتصاد الاميركي من الركود . والركود او الكساد او غير ذلك مصطلحات يطلقها الاقتصاديون الامبرياليون لتجنب ذكر الازمات الاقتصادية.
فالماركسية اذن لم تتحطم ولم يثبت خطلها بانهيار الاتحاد السوفييتي. بل بالعكس كان انهيار الاتحاد السوفييتي ذاته برهانا على صدق الماركسية وفعل قوانينها. اذ ان انهيار الاتحاد السوفييتي لم يتحقق الا حين تخلى قادة هذه الدولة عن الماركسية وسلكوا سياسات اقتصادية وسياسية مناقضة لمتطلبات القوانين الاقتصادية الطبيعية التي تتحكم بتطور الاشتراكية في اتجاه المجتمع الشيوعي.
وما هي الديمقراطية بالمفهوم الماركسي؟ في المفهوم الماركسي تشكل الديمقراطية والدكتاتورية وحدة نقيضين لا ينفصل احدهما عن الاخر. فلا وجود للديمقراطية بدون الدكتاتورية ولا وجود للدكتاتورية بدون الديمقراطية. واذا زال احدهما زال الاخر ايضا.
لقد اكتشف كارل ماركس قانون التطور الاجتماعي الذي يدعى اليوم المادية التأريخية. ووجد ان الدولة منذ نشوء اول دولة في التاريخ البشري وحتى بقاء اخر دولة في هذا التاريخ هي وحدة نقيضين، الدكتاتورية والديمقراطية. وبين ان الصفة الاساسية للدولة هي الدكتاتورية لانها لا تستطيع تحقيق الديمقراطية لطبقتها الا بممارسة اشد انواع الدكتاتورية ضد الطبقات التي تستغلها. فدول العبيد كانت ديمقراطية لاسياد العبيد لم يمكن تحقيقها الا بممارسة اقسى انواع الدكتاتورية تجاه العبيد حين لم يكن ينظر اليهم كبشر. وما حروب الابادة ضد ثورات العبيد الا امثلة رائعة على ذلك. ولكن التاريخ سار حسب القوانين الطبيعية لتطور المجتمع رغم حروب الابادة ورغم ارادة الاسياد وتحقق النظام الاقطاعي.
ومارست النظم الاقطاعية اقسى انواع الدكتاتورية من اجل تحقيق الديمقراطية للطبقات الاقطاعية. ولكن التاريخ سار ايضا حسب القوانين الطبيعية للتطور الاجتماعي واندلعت الثورات البرجوازية ضد النظام الاقطاعي في اوروبا. كانت ابرز هذه الثورات الثورة الفرنسية الكبرى بعد ثورة كرومويل في بريطانيا والثورة الاميركية ضد الحكم البريطاني.
ومارست البرجوازية دكتاتوريتها من اجل تحقيق الديمقراطية للطبقة الراسمالية وبقايا الطبقات القديمة. ولكن قوانين التطور الاجتماعي سارت مسارها واندلعت اول ثورة بروليتارية في ثورة الكومونة في باريس فحطمتها البرجوازية الفرنيسة بالتعاون مع الجيوش الالمانية المحتلة. الى ان اندلعت ثورة اكتوبر في روسيا فنشأت اول دولة بروليتارية في التاريخ ودام حكمها حتى سنة ١٩٥٣. واذا انتصرت الراسمالية واستطاعت تحطيم الدولة الاشتراكية فهذا لا يعني ان الراسمالية قد انتصرت على القوانين الطبيعية لتطور المجتمع او غيرتها. فهذه القوانين تعمل رغم ارادة الانسان ولا يمكن تحطيمها او ازالتها او تغييرها شانها في ذلك شأن قانون الجاذبية مثلا.
واعتبر كارل ماركس وفريدريك انجلز ان الصفة الدكتاتورية للدولة هي الاساس وان الديمقراطية هي نتاج للدكتاتورية التي تمارسها الطبقات الحاكمة على انواعها بما فيها الدولة العمالية التي تطيح بالنظام الراسمالي وتحقق نظاما اشتراكيا. وادركا ان تسمية الدول الراسمالية بالديمقراطيات لا يعبر عن هذه الحقيقة التاريخية. لذا اطلقا على الدولة العمالية التي تنشأ بعد تحطيم الراسمالية دكتاتورية البروليتاريا وليس ديمقراطية البروليتاريا.
ولا يختلف الامر في دكتاتورية الطبقة العاملة عن سابقاتها دكتاتوريات اسياد العبيد والاقطاعيين والراسماليين من حيث كون الدولة هي في الاساس دكتاتورية الطبقة الحاكمة ضد الطبقة المحكومة بسوى ان الدكتاتوريات السابقة كلها كانت دكتاتوريات الاقلية ضد الاغلبية بينما تكون دكتاتورية البروليتاريا دكتاتورية الاكثرية ضد بقايا الطبقة المطاحة التي تحاول استغلال كل فرصة لاستعادة سيادتها ودكتاتوريتها السابقة. لذا قال لينين ان دكتاتورية البروليتاريا هي اكثر ديمقراطية من اكثر الدول الديمقراطية الراسمالية مليون مرة.
فالتحدث عن ديمقراطية الولايات المتحدة لا وجود له في الواقع الا للطبقة الراسمالية الحاكمة التي تمارس اقسى انواع الدكتاتورية للمحافظة على استغلال الشعب الاميركي وشعوب العالم والتحدث عن العراق الديمقراطي الذي تريد انشاءه لا يعني شيئا سوى منح الراسمال الاميركي حرية استغلال واستعباد الشعب العراقي ونهب ثرواته.
قد يقول البعض ان ماركس اخطأ في توقعه بان الراسمالية سائرة الى الزوال وان الاشتراكية نظام حتمي يجب ان يتحقق باسقاط النظم الراسمالية. واكبر دليل على ذلك استمرار النظام الراسمالي وتطوره الهائل صناعيا وعلميا وتكنولوجيا. ان قانون المادية الديالكتيكية، قانون الحركة الاساسي في الطبيعة والمجتمع، وهو القانون الاساسي الذي تستند اليه الماركسية، يفيد بان كل تناقض حين يبلغ مرحلة معينة من التطور تتحتم الطفرة التي تنقضه وتحول النقيض النامي الذي كان النقيض الضعيف المتطور الى النقيض الرئيسي المتحكم بالتناقض. وهذا يعني ان المجتمع الراسمالي المؤلف من نقيضين متصارعين، الراسمالية والطبقة العاملة، حين يبلغ درجة في تطوره يتحتم قيام ثورة النقيض النامي، البروليتاري، على نقيضه الراسمالي لتحقيق النظام الجديد، النظام الاشتراكي. وهذا ما حدث في ثورة اكتوبر. ولكن هذه الثورة لا تتحقق اذا لم تكن هناك الحركة القادرة على تحقيقها نظرا لوجود طبقات تتعارض مصالحها والمصالح التي ينبغي ان تتحقق بالثورة وهي طبقات تمتلك كل شيء من الثروة والسلطة والجيش والشرطة والاسلحة والمحاكم والسجون والقوانين ووسائل الاعلام. وقد بلغ النظام الراسمالي هذه المرحلة منذ امد بعيد ولكن القوة التي تستطيع الثورة على النظام الراسمالي على نطاق عالمي للتغلب على المقاومة المستميتة للنظام الراسمالي بجيوشه واسلحته الفتاكة لم تتحقق بعد. وهذا هو التفسير الوحيد لاستمرار النظام الراسمالي حتى يومنا هذا وتطوره صناعيا وتكنولوجيا.
ولكن قانون الديالكتيك يفيد ايضا بان عجز النقيض النامي المتطور عن تحقيق الثورة على نقيضه يؤدي الى فناء الضدين. وقد اورد انجلز مثال البيضة كاحد الامثلة البسيطة والواضحة على قانون فناء الضدين هذا. فقشرة البيضة تكون حامية نمو الجنين في داخلها الى ان يتطور الجنين الى مرحلة كسر القشرة والخروج منها. فاذا عجز الجنين عن تحطيم القشرة كان مصير البيضة والجنين هو الفناء. فلا القشرة تبقى بيضة لا الجنين يبقى جنينا. وهذا القانون هو القانون الفاعل في المجتمع الراسمالي منذ بلوغ تطوره الى مرحلة ضرورة الثورة وتحطيم النظام الراسمالي. وطبيعي ان فناء الضدين في هذه الحالة لا يعني فناء المجتمع الانساني كله مثلما ان فناء بيضة لا يعني فناء كل البيض في الطبيعة. ولكن فناء الضدين في المجتمعات الراسمالية يتحقق امام اعيننا باشكال عديدة كل يوم.
احد اشكال فناء الضدين واكثرها تكررا هو الازمات الاقتصادية. فالازمة الاقتصادية في النظام الراسمالي ظاهرة تدل من الناحية الديالكتيكية على ان التناقض بين الطبقة العاملة والراسمالية قد بلغ حدا يتطلب من الطبقة العاملة الثورة على البرجوازية وتاسيس دكتاتوريتها البروليتارية. الا ان البروليتاريا ليست من التنظيم والقوة قادرة على تحقيق ثورتها ولذا يتحتم فناء الضدين، وهو الازمة. ففي الازمة تعاني الطبقة الراسمالية من كساد في تصريف بضائعها لعدم قدرة الكادحين على استهلاكها فتغلق المعامل وتفسد السلع او تتلف او تحرق الحبوب او تلقى في البحر وغير ذلك. وفي الازمة تعاني الشركات من الصعوبات ما يؤدي الى سلسلة من الافلاسات الخ... وهذا فناء جزئي للراسمالية. وفي الازمة تظهر البطالة. والبطالة تعني من الناحية الاقتصادية فناء القوى العاملة. فان العامل يمتلك قوة عمله التي يستطيع بها ان ينتج للمجتمع وهو يعيد انتاج قوة عمله كل يوم. ولكن عدم امكانه الحصول على ادوات العمل التي يستطيع بها استهلاك قوة عمله لهذا اليوم معناه فناء قوته العاملة لذلك اليوم وحرمان المجتمع كله من انتاجه. كانت الازمات في بدايتها تتكرر كل عشر سنوات تقريبا ثم تليها فترة انتعاش تبلغ درجة الرواج والتطور السريع للانتاج الراسمالي. ولكن دخول الراسمالية في ظاهرة الازمة العامة الغى فترة الرواج من الدورة الاقتصادية للراسمالية واصبحت البطالة باعدادها الهائلة ظاهرة ثابتة لا تستطيع اية دولة راسمالية ان تبلغ فيها فترة رواج تنتفي فيها البطالة كليا. وهذا ما نشاهده في عصرنا حيث يحصى العاطلون بالملايين وتتبارى الحكومات الراسمالية بمحاولات خفض البطالة بوسائل شتى لاخفاء ظاهرة تفاقم البطالة المستمرة.
ومن ظواهر فناء الضدين الحروب. ففي الحرب يكثر استهلاك الاسلحة المدمرة ويكثر التدمير الذي يتطلب اعادة الاعمار وتكثر الضحايا من البشر لدى الاطراف المتحاربة مما يشكل فترة رخاء للراسماليين الذين ينتجون الاسلحة للحرب ويقومون باعمار ما دمرته الحرب بعد ذلك.
ومن ظواهر فناء الضدين تلوث البيئة. ونحن شهود في عصرنا لتشقق الغلاف الاوزوني للارض وزيادة ثاني اكسيد الكربون في الجو واثار ازالة الغابات للاغراض التجارية وزيادة المواد الاشعاعية في الجو وتاثيرات التجارب الذرية على القشرة الارضية وزيادة الهزات الارضية وثوران البراكين والعواصف والفيضانات المدمرة في بعض البلدان يقابلها جفاف مميت في بلدان اخرى من جراء ذلك وارتفاع درجة حرارة الارض بصورة مستمرة والاخطار المترتبة على ذلك الى اخر ذلك وما يرافقه من مجاعات وغيرها من الماسي التي تعاني منها البشرية كل يوم وفي ارجاء العالم.
الحرب العالمية الثالثة
كانت الولايات المتحدة في حالة حرب دائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الان. فقد دخلت حروبا كبرى مثل الحرب الكورية والحرب الفيتنامية وحرب الخليج وغيرها. وكانت في حرب دائمة مع الاتحاد السوفييتي فيما سمي بالحرب الباردة. وكانت وراء حروب اخرى مثل الحرب الايرانية العراقية والحروب التي تجري في افريقيا واميركا اللاتينية وبعض بلدان الشرق الاقصى والحرب الاسرائيلية الفلسطينية. وقامت بانقلابات عسكرية في مختلف بلدان العالم. الا انها لم تعلن الحرب العالمية رسميا الا يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١. وهذه الحرب ليست صدفية وليست نتيجة حتمية لاحداث ١١ سبتمبر. فكل الدلائل والاخبار تشير الى ان الحروب التي جرت بعد اعلان هذه الحرب العالمية خطط لها وكانت مقررة قبل هذه الاحداث وما احداث ١١ سبتمبر الا الذريعة التي اتخذتها الولايات المتحدة لاعلان الحرب. فهذه الحرب هي نتيجة منطقية لخارطة طريق الولايات المتحدة التي سارت عليها جميع اداراتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
حدد الرئيس بوش هدفين لهذه الحرب العالمية التي يشنها. الهدف الاول هو الحرب ضد الارهاب. والارهاب حسب رأيه منتشر في العالم كله وهو يشكل خطرا على امن الولايات المتحدة والعالم اجمع. لذا يرى من مهمات الولايات المتحدة باعتبارها الدولة العظمى الوحيدة في العالم ان تحارب الارهاب اينما وجد والقضاء عليه وتحقيق عالم بلا ارهاب، عالم سلام وامان لجميع شعوب العالم.
وحدد الرئيس بوش هدفا ثانيا لهذه الحرب هو انقاذ الاقتصاد الاميركي من الركود الذي يعاني منه وتحقيق الازدهار الاقتصادي للولايات المتحدة وللبلدان الصناعية الاخرى. وقد بشر شيراك هذه الدول وما يسمى الدول النامية في مؤتمر ايفيان الفرنسية للدول الصناعية الثماني الكبرى بأن الازدهار الاقتصادي قريب.
فما علاقة الحرب ضد الارهاب بالازدهار الاقتصادي؟ وكيف تحقق الحرب العالمية الحالية الازدهار الاقتصادي مع القضاء على الارهاب؟
ما هو الارهاب؟
مرت على الحرب العالمية ضد الارهاب ما يقرب من السنتين دون ان تكلف ادارة بوش نفسها عناء تعريف الارهاب. ولكننا نستطيع من مسار الحرب ومن التصريحات العديدة المتتالية كل يوم من مختلف شخصيات الادارة وعلى راسهم رئيسهم بوش ان نميز بعض عناصر الارهاب بالعرف الاميركي.
اول واكبر ظاهرة للارهاب كانت اسامة بن لادن وحكومة طالبان في افغانستان. فابن لادن، ربيب الولايات المتحدة اثناء مقاومة الاحتلال السوفييتي لافغانستان، اعتبر العقل المدبر لاحداث ١١ سبتمبر. وحكومة طالبان اعتبرت حكومة ارهابية لذا اصبح من الضروري اعلان الحرب على افغانستان كمرحلة اولى في الحرب ضد الارهاب. وشنت الولايات المتحدة بتخويل من مجلس الامن هجومها على افغانستان وهي دولة لم تكن خاضعة للولايات المتحدة كليا واحتلتها وعينت حكومة افغانية صورية تقوم بتثبيت احتلالها ونهب ثرواتها واستخدمت فرق مرتزقة من دول عدة لحماية احتلالها لافغانستان. ولكن بن لادن مازال حيا يرزق في مكان ما من العالم وما زال الارهاب، بصورة مقاومة الاحتلال الاجنبي لافغانستان, وسيبقى ويشتد طيلة وجود الاحتلال الاميركي وسيبقى الارهاب بهذا المفهوم قائما رغم سقوط حكم طالبان ورغم الدمار الذي سببه الاحتلال الاميركي لافغانستان.
والشكل الاخر للارهاب في العرف الاميركي هو امتلاك الدول التي لا تحبها الولايات المتحدة ما يسمى باسلحة الدمار الشامل او طموح هذه الدول في الحصول على اسلحة الدمار الشامل من غير الولايات المتحدة او وجود اسلحة دمار شامل سبق للولايات المتحدة او حليفاتها بيعها لها. وكان العراق اول ضحية من ضحايا هذا النوع من الارهاب. فمعروف ان الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا زودتا صدام حسين باسلحة كيماوية وبايولوجية وبمعدات لمساعدته على تطوير الانتاج النووي حين كانت الولايات المتحدة تحب صدام حسين ولكنها لسبب ما غيرت موقفها من صدام حسين فاصبحت اسلحة الدمار الشامل التي زودوه بها اسلحة دمار شامل تشكل خطرا على امن الولايات المتحدة وبريطانيا والعالم كله واصبح من الضروري ازالة اسلحة الدمار الشامل العراقية رغم ان المفتشين لم يستطيعوا اثبات وجود مثل هذه الاسلحة بعد ان دمرتها الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية سنة ١٩٩١ وما بعدها من سنوات الحصار الخانق على الشعب العراقي. في كتاب جون بيلغر "حكام العالم الجدد" اورد الكاتب العديد من البراهين على تدمير جميع انواع اسلحة الدمار الشامل في العراق اقتبس منها ما يلي:
"في ١٩٩٨ كانت البنية التحتية للاسلحة الكيماوية قد فككت او دمرت من قبل لجان التفتيش اونسكوم او من قبل العراق وفقا لوصاياها. وكان برنامج الاسلحة البيولوجية قد انتهى وازيلت كافة المرافق الكبرى. وكان برنامج الاسلحة النووية قد ازيل نهائيا. وكان برنامج الصواريخ البالستية البعيدة المدى قد ازيل نهائيا. لو كان علي ان احدد تهديد العراق للعالم لقدرته صفرا" (من حديث للكاتب مع سكوت ريتر الذي كان احد كبار المفتشين في اونسكوم. (بيلغر، حكام العالم الجدد ص٥٩)
وشنت الولايات المتحدة وبريطانيا حربهما على العراق بغية نزع اسلحة الدمار الشامل العراقية باسلحة دمار شامل اقوى وافضع منها. واحتلت الولايات المتحدة العراق بدون ان تجد ذرة من اسلحة الدمار الشامل المزعومة ولكنها اعلنت ان حربها تستهدف اسقاط نظام صدام حسين وتحرير الشعب العراقي واعادة ثرواته اليه. ولكن الارهاب متمثلا بمقاومة العراقيين للاحتلال الاميركي مازال قائما ومتواصلا وسيزداد حدة طالما بقي الاحتلال الاجنبي للعراق.
وتشمل حيازة اسلحة الدمار الشامل او محاولة الحصول عليها دولا اطلق عليها الرئيس بوش دول محور الشر وهي العراق وايران وكوريا الشمالية. وقد انتهت الحرب ضد اول دول محور الشر وتخلص العالم منها وبقي ان تقوم الولايات المتحدة بالقضاء على طرفي محور الشر الاخرين لانقاذ الولايات المتحدة والعالم من شرهما.
والشكل الثالث من الارهاب الذي نشاهده هو مقاومة الاحتلال. فكل حركة تقاوم احتلالا من قبل الولايات المتحدة او من قبل احدى حليفاتها او اية دولة خاضعة لنفوذها هو ارهاب. وعليه فان المجازر التي تنفذ لسحق هذه الحركات المقاومة للاحتلال هي دفاع عن النفس. وابرز مثال قريب منا لانه يقع في منطقتنا هو مقاومة الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. فمقاومة الشعب الفلسطيني هو الارهاب والمجازر التي تقوم بها اسرائيل في الاراضي الفلسطينية دفاع عن النفس. وامثال ذلك كثيرة في ارجاء العالم والولايات المتحدة تدافع عن نفسها في افغانستان وفي العراق وفي اميركا اللاتينية وافريقيا وكوريا واليابان وفي ارجاء العالم.
نوع اخر من الارهاب في العرف الاميركي هو ايواء الارهاب او تشجيع الارهاب او مساعدة الارهاب. فثمة دول تؤوي الارهاب مثل سوريا ولبنان واليمن وغيرها. وعلى هذه الدول ان تقضي على الارهاب الذي تؤويه. فعلى سورية ولبنان مثلا ان يقضيا على حزب الله الارهابي. لذا فان الولايات المتحدة تفرض على مثل هذه الدول ان تقضي على الارهاب في داخلها, وفي حالة عدم امكان هذه الدول تحقيق ذلك فعليها ان تقبل مساعدة الولايات المتحدة في القضاء على هذا النوع من الارهاب. فالجيش الاميركي من حقه ان يدخل الفيليبين مثلا لمساعدة دولتها على القضاء على الارهاب. اما اذا رفضت مثل هذه الدول قبول مساعدة الجيش الاميركي اصبحت هذه الدول نفسها ارهابية ويجب معاقبتها او احتلالها للقضاء على الارهاب. ويشمل هذا الباب تشجيع الارهاب او مساعدته. فاذا قدمت اية منظمة خيرية بعض المساعدة لمنكوبي الشعب الفلسطيني مثلا فانها تقوم بذلك بتشجيع الارهاب ومساعدته ويصبح من حق الولايات المتحدة تجميد او مصادرة اموال هذه المنظمات لمنعها عن مساعدة الارهاب او تشجيعه. وقد رأينا كيف جمدت الولايات المتحدة اموال بعض المنظمات الخيرية العربية بهذه الحجة. وليس بعيدا عنا قرار مؤتمر شرم الشيخ الاخير بالامتناع عن تقديم المساعدات المالية للارهاب الفلسطيني.
هذه نماذج قليلة عن مفهوم الولايات المتحدة للارهاب ولابد ان استمرار الحرب العالمية على الارهاب سيكشف لنا العديد من صور الارهاب بالعرف الاميركي وصور القضاء على الارهاب بمساندة الامم المتحدة او بدونها.
اورد بيلغر في كتابه "حكام العالم الجدد" رأي ريتشارد رينر، مخطط الحرب الباردة في ادارة ريغن في توضيح نظرية مستشاري رامسفلد ونائبه بول وولفيتز بان الحرب ضد الارهاب هي في الاساس حرب عالمية. يقول برل "لا توجد مراحل؛ انها حرب شاملة. اننا نحارب اعداء ذوي طبائع شتى. يوجد الكثير منهم هناك في الخارج. كل هذا الحديث عن اننا نذهب اولا الى افغانستان ثم نتجه الى العراق وبعد ذلك نتطلع لنرى اين تتجه الامور هي الطريقة الخاطئة اطلاقا للنظر الى الامر ... فاذا وجهنا انظارنا للعالم ابعد من ذلك لنجعلها تشمل العالم كله ولا نحاول ان نجمع معا الدبلوماسية الذكية، بل مجرد ان نشن حربا شاملة ... فان اطفالنا سينشدون عنا اعظم الاناشيد في السنوات المقبلة." (مجلة غرين ليفت ويكلي الاسبوعية، ١٢ كانون الاول ٢٠٠١. بيلغر، حكام العالم الجدد، ص١٠)
ومنذ يوم ١١ سبتمبر، حين اعلن الرئيس بوش الحرب العالمية الثالثة رسميا، اعلن بشكل قاطع وباشكال متعددة ان العالم اصبح كله اما حليفا للولايات المتحدة في حربها او حليفا للارهاب. فاعلن صراحة ان العالم اما معنا او ضدنا مع الارهاب، وان من ليس معنا عدو لنا. وقد شمل هذا حتى بعضا من اهم حليفات الولايات المتحدة مثل فرنسا والمانيا لمعارضتهما الحرب على العراق وحتى مجلس الامن لعدم الموافقة على تخويل الولايات المتحدة بالحرب على العراق كما فعل في الحرب على افغانستان.
كل العالم يعرف هذه الحقائق. ولكن معظم دول العالم، رغم علمها بطبيعة الحرب العدوانية الاميركية على العالم، اعلنت حلفها مع الولايات المتحدة في هذه الحرب المدمرة خوفا من وصمها بالارهاب. فالحرب العالمية ضد الارهاب ليست في الواقع سوى حرب ارهاب تشنها الولايات المتحدة ضد العالم كله بدون استثناء.
ولكن ما علاقة حرب الارهاب هذه بانقاذ الولايات المتحدة من ازمتها الاقتصادية؟ وكيف تؤدي الحرب الى الانتعاش او حتى الى الازدهار الاقتصادي القريب الذي يبشر به الرئيس الفرنسي شيراك؟
الحرب كوسيلة للازدهار الاقتصادي
لكي نفهم كيف يمكن ان تكون الحرب وسيلة للازدهار الاقتصادي علينا اولا ان نتعرف على مفهوم الازدهار الاقتصادي بالنسبة للولايات المتحدة او للدول الصناعية الكبرى الاخرى. فقد يتصور المرء ان الازدهار الاقتصادي يعني تحسين اوضاع الشعوب الاقتصادية او القضاء على البطالة او رفع المستوى المعاشي للشعوب او القضاء على الفقر او انقاذ الشعوب الجائعة من الموت المحتم الذي ينتظرها. وهذا مفهوم لا يخطر ببال حكام الولايات المتحدة والدول الاستعمارية الاخرى.
ان الازمة او الركود بالنسبة للطبقات الراسمالية هو وجود صعوبات امامها في هدفها الاساسي الذي هو نيل اقصى الارباح. والازدهار الاقتصادي بالنسبة لها هو التغلب على هذه الصعوبات والتقرب نحو تحقيق اقصى الارباح الذي لا يمكن بلوغه في العرف الراسمال ابدا. وبهذا المعنى فقط يمكن ان نفهم كيف يمكن للحرب ان تؤدي الى الازدهار الاقتصادي.
الحرب وسيلة لزيادة الاستهلاك زيادة كبيرة لا يمكن تحقيقها في ايام السلم ولذلك تلجأ الدول الراسمالية الى الحرب بغية زيادة استهلاك سلعها بشتى انواعها كأحد اهم الاسباب لشن الحروب. ولكن السلع الاكثر استهلاكا خلال الحرب هي السلاح. ففي الحرب تستهلك كميات هائلة من الاسلحة بشتى انواعها وتوفر للشركات المنتجة للسلاح افضل فرصة لزيادة انتاجها وسرعة بيعها واستهلاكها. والسلاح سلعة مثل سائر السلع ينتجها الراسمالي لا لفائدتها للمجتمع وانما لكي تدر له المزيد والمزيد من الارباح. ولكن السلاح من ناحية اخرى سلعة تختلف بصفاتها كثيرا عن السلع المدنية. وكل صفاتها الخاصة هي لمصلحة الراسمالي المنتج للاسلحة. لذا فان الحرب تشكل مصدر ارباح يسيل له لعاب الراسماليين.
فالراسمالي ينتج السلع المدنية ولا يعرف مقدار الطلب عليها بصورة دقيقة الى ان ينزلها الى السوق. فاذا كان انتاجه يزيد عن الطلب على تلك السلعة كسدت وصعب تصريفها. ولكن الراسمالي حين ينتج الاسلحة يعرف مقدما مقدار الطلب عليها بل ان الطلب عليها يأتي قبل انتاجها حين تعقد الاتفاقيات مثلا على بيع كميات من الطائرات المقاتلة او غيرها على ان يجري انتاجها خلال عدة سنوات.
والسلاح سلعة تشتريها الحكومات مباشرة بكمياتها الكبيرة وليس الافراد. والحكومات قادرة على ايجاد الوسائل المالية اللازمة لتسديد اثمانها. ولا فرق في ذلك ان كانت الحكومة المشترية هي حكومة المنتج ذاتها او الكحومات الاخرى التي ترغب في شراء الاسلحة. ان ما يهم الراسمالي ليس مصدر الدفع بل الدفع نفسه.
وبينما تتراكم السلع المدنية في مخازن الراسماليين الى حين بيعها وتصريفها ما يؤدي الى الاضرار المادية الهائلة عند عدم بيعها يجري تراكم الاسلحة عند مشتريها وبذلك لا تعاني الشركات الراسمالية المنتجة للاسلحة من الكساد في استهلاك الاسلحة. فعلى الحكومات المشترية للاسلحة ان تجد طرق استهلاكها والتخلص منها.
والاسلحة في ايامنا، ايام الثورة التكنولوجية الهائلة، سريعة التطور بحيث ان الصواريخ والطائرات والدبابات والمدافع وغيرها تصبح قديمة بالية قبل استلامها وعليه ينبغي للحكومات ان تشتري الاسلحة الجديدة لكي تبقى في المستوى العسكري المطلوب لمجابهة الظروف الحربية الجديدة او لمنافسة جيرانها على التفوق العسكري.
قال متحر من الكونغرس الاميركي حول اسباب بيع الولايات المتحدة وبريطانيا للاسلحة البيولوجية الى عراق صدام "اتفق الجميع على ان النقود هي كل شيء. ان حكومة الولايات المتحدة كانت تعلم والكحومة البريطانية كانت تعلم فهل اثار ذلك اهتمامهما ؟ كلا . فقد كان الامر منافسة مع الالمان. هكذا تجري تجارة الاسلحة." (جون بيلغر، حكام العالم الجدد, اقتباس من جريدة الغارديان البريطانية بتاريخ ٨ ايار (مايو) ١٩٩٢)
كل هذا صحيح في ايام السلم ولكن الحرب تضاعف انتاج الاسلحة بكميات كبيرة لسد حاجات الاطراف المتحاربة. لذا فان الحرب مصدر هائل لزيادة ارباح منتجي الاسلحة الى مستويات لا يحلمون بها في ايام السلم وهذا هو الازدهار الاقتصادي الذي تنتجه الحروب.
واستخدام الاسلحة يؤدي بالضرورة لا الى الضحايا البشرية الهائلة فقط بل الى الدمار والخراب وتحويل المدن الى خرائب. وهذا يعني ان الحرب تجلب في اعقابها المزيد من الارباح للشركات الراسمالية في اعادة بناء ما خربته الحرب. فلو فرضنا ان العلم قد توصل الى اسلحة تستطيع ان تقتل البشر بدون ان تدمر المدن فان هذا يؤدي الى خفض ارباح الشركات الراسمالية ولذلك فانها لا تسمح باستخدامه. فالتدمير هدف لابد منه في الحروب لزيادة ارباح الراسماليين بحجة اعادة الاعمار.
حتى تفكيك الاسلحة المتراكمة التي لم تعد صالحة للاستخدام تشكل مصدر ارباح اضافية للشركات الراسمالية المنتجة لها. فلو فرضنا ان الحكومات وجدت من المناسب تفكيك جزء من القنابل الذرية المتراكمة فيها او كلها فان التفكيك ذاته عمل تقوم الشركات الراسمالية بانجازه وتحقيق المزيد من الارباح بذلك.
في تجارة السلع المدنية بين مختلف الشركات يجري الشراء عادة من اجل البيع ولذلك تكون الاسعار موضع تفاوض ولا يمكن بيع السلع باسعار احتكارية لمدد طويلة. اما تجارة الاسلحة فتختلف عن ذلك نوعا ما اذ ان مشتري الاسلحة هم الحكومات عادة والحكومات تشتريها لا لغرض بيعها كما هو الحال في التجارة المدنية بل تشتريها لزيادة ترساناتها العسكرية. اي ان البيع والشراء في هذه الحالة هو في اتجاه واحد من البائع الى المشتري. ان هذه الصفة لتجارة الاسلحة تجعل بامكان الشركات البائعة فرض اسعار احتكارية عالية على الدوام وبصورة مستمرة. حتى حين تقوم بعض الحكومات ببيع جزء من الاسلحة القديمة المتراكمة في ترساناتها لحكومات اخرى تحتاج الى استخدامها بسرعة فان بيعها يجري بنفس الطريقة ويمكن فرض اسعار احتكارية عليها.
يجري تصدير الاسلحة عادة بموجب اتفاقيات تعقد بين الحكومة المشترية والحكومة البائعة. ولتصدير الاسلحة صفة اخرى بالغة الاهمية. فالحكومة البائعة تفرض شروطا احتكارية متنوعة على الحكومة المشترية قبل الموافقة على تصدير الاسلحة اليها. واهم هذه الشروط فيما يتعلق بموضوعنا هو ان الحكومة المشترية لا يجوز لها استخدام هذه الاسلحة بدون موافقة او ترخيص الدولة البائعة. فالحكومة المشترية تدفع اثمان الاسلحة التي تشتريها كاملة وبهذا تصبح الاسلحة ملكا لها قانونيا. ولكن هذا الشرط يبقي ملكية الاسلحة وامكانية استعمالها في الواقع ملكا للحكومة البائعة. من المعروف ان حكومات الخليج كلها تشتري اسلحة بعشرات مليارات الدولارات كل سنة. ولكن هل تستطيع اي من هذه الحكومات تقديم بندقية واحدة للشعب الفلسطيني مثلا؟ ان هذا مستحيل لانه يعرض هذه الحكومات لغضب الولايات المتحدة او بريطانيا او حتى روسيا صاحبة الاسلحة الحقيقية. بل اكثر من ذلك نرى ان الولايات المتحدة تجمد اموال كل شركة خيرية تتبرع ببعض النقود لمساعدة الشعب الفلسطيني المنكوب فكيف اذا تبرع احدهم بالسلاح لهذا الشعب؟ وقد شاهدنا الضجة التي حصلت حول سفينة تحمل اسلحة ادعت اسرائيل انها كانت متجهة الى فلسطين كمثال على ذلك. وعلى العكس من ذلك من المعروف ان الولايات المتحدة كانت تزود صدام حسين بالاسلحة اثناء حربه ضد ايران عن طريق الدول العربية لكي توهم العالم بانها واقفة على الحياد في تلك الحرب.
من كل ما سبق نرى ان الحروب وتجارة الاسلحة صفة ملازمة للنظام الراسمالي وهي احدى اهم وسائل التخلص من الازمات الاقتصادية التي تعاني منها الدول الراسمالية بصورة مستمرة في ايامنا. ومن هذا نرى كيف ان حرب الارهاب العالمية التي تشنها الولايات المتحدة بامكانها ان تعالج الكساد الذي تعاني منه الشركات الاميركية ولو جزئيا ونرى المنطق في ترابط الهدفين اللذين حددهما بوش لحربه العالمية.
حتمية الحرب العالمية في عصرنا
كان لينين هو الذي بحث موضوع تحول الراسمالية الى المرحلة الامبريالية خصوصا في كتابه "الامبريالية اعلى مراحل الراسمالية". وبين في بحثه ان الدول الراسمالية الامبريالية قد اكملت اقتسام العالم فيما بينها وان هذه الدول تسعى الى اعادة اقتسام العالم كل وفقا لمصالحها مما يجعل الحرب العالمية حتمية. ورغم نشوء الاتحاد السوفييتي في سدس الكرة الارضية بقيت الحرب العالمية حتمية في فترة ما بين الحربين العالميتين. ووقعت الحرب العالمية الثانية وكان من نتائجها خروج الاتحاد السوفييتي منتصرا على النازية ونشوء المعسكر الاشتراكي.
وقد وقع على عاتق ستالين واجب دراسة اوضاع ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومن النتائج التي توصل اليها ان وجود معسكر اشتراكي لا مصلحة له في الحرب وليست الحروب من طبيعته كما هي من طبيعة النظام الراسمالي جعل الحرب العالمية غير حتمية. وهذا يعني ان خطر الحرب العالمية مازال قائما ولكن احتمال عدم وقوعها ممكن. وعلى هذا الاساس وجه نداءه المشهور "ان السلم سيصان ويتعزز اذا أخذت الشعوب قضية السلام بايديها ودافعت عنها حتى النهاية" . فنشأت حركة السلام العالمية التي ضمت مئات الملايين من البشر من جميع الطبقات الاجتماعية ومن شتى الاتجاهات السياسية والتي كان شعارها الاساسي هو صيانة السلم العالمي ومنع وقوع حرب عالمية جديدة.
دام هذا الوضع حتى سنة ١٩٥٣ اي حتى وفاة ستالين. ولدى استيلاء زمرة خروشوف على قيادة الحزب والدولة وممارستهم سياسة تؤدي الى عودة الراسمالية في الاتحاد السوفييتي. حينذاك تحول الاتحاد السوفييتي من دولة محبة للسلام ومساندة لكل حركة ثورية وتحررية في العالم الى دولة معادية للاشتراكية، معادية للماركسية، معادية للحركة الشيوعية العالمية، ومعادية لكل حركة ثورية في العالم. وتحت قيادتهم تحولت حركة السلام العالمي من حركة مناضلة في سبيل السلام العالمي ومنع وقوع حرب عالممية ثالثة الى حركة مساندة لمفاوضات السلام بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة وسائر الدول الامبريالية وهي مفاوضات عقيمة لا هدف لها الا خدع الشعوب وتضليلها واسدال ستار على سباق التسلح. فتحت ستار مفاوضات نزع السلاح تضاعف انتاج الاسلحة عشرات المرات.
من ذلك الحين اضمحلت امكانية منع الحرب العالمية الثالثة واصبحت الحرب العالمية حتمية كما كانت قبل الحربين العالميتين السابقتين. وقد انتشرت الحروب في هذه الفترة في ارجاء العالم. فليس في العالم بقعة لا تنتشر فيها الحروب التي تمارسها الدول الاستعمارية وخصوصا الولايات المتحدة الاميركية مباشرة او الحروب التي تبدو حروبا اهلية ولو انها صراع امبريالي تحركه وتوجهه الدول الاستعمارية تحقيقا لمصالحها الامبريالية المتناقضة. فالحرب اتسعت واصبحت على نطاق عالمي ولم ينقصها لكي تتخذ صفة الحرب العالمية سوى دخول الدول العظمى علنيا في حرب مباشرة بينها. وفي ١١ ايلول (سبتمبر) انتهى هذا الوضع واعلنت الولايات المتحدة الحرب العالمية رسميا على لسان رئيسها بوش الابن. ولكن هذه الحرب تختلف عن الحربين العالميتين السابقتين اختلافا جوهريا.


طبيعة الحرب العالمية الثالثة
في الحربين العالميتين السابقتين كانت الدول الاستعمارية الكبرى منقسمة على نفسها الى معسكرين يتحاربان من اجل اعادة تقسيم العالم فيما بينهما. ففي كلا الحربين كانت المانيا تحاول ان تغتصب بعض مستعمرات بريطانيا وفرنسا في الحرب. اما الحرب العالمية الثالثة فهي حرب الولايات المتحدة من اجل اغتصاب العالم كله واستعماره وابعاد حليفاتها الدول الامبريالية او ما يدعى بالدول الصناعية السبع او الثماني الكبرى عن كل مصالحها الامبريالية.
في الحربين العالميتين السابقتين لم تدخل الولايات المتحدة الحرب الا مؤخرا ولكنها في كلا الحربين تحولت الى المجهز الرئيسي للسلاح والمواد الاخرى لكلا الطرفين المتحاربين مما ادى الى ازدهارها اقتصاديا ونمو اقتصادها بصورة هائلة. وعند انتهاء الحرب كان عليها ان تجد الاسواق ومصادر الخام اللازمة لمواصلة هذا التطور الاقتصادي الهائل. ولم يكن امام الولايات المتحدة سوى ان تحصل على هذه الاسواق من حليفاتها بريطانيا وفرنسا او من الدول المنهارة المانيا واليابان وايطاليا في نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد حققت ذلك سلميا نوعا ما بواسطة مشروع مارشال وباحتلال هذه الدول عسكريا بانشاء القواعد العسكرية الاميركية فيها التي مازالت قائمة حتى يومنا هذا وبواسطة حلف شمال الاطلسي الذي كانت وما زالت هي المسيطرة عليه والموجهة له وفقا لمصالحها.
في الحربين العالميتين السابقتين لم تكن الولايات المتحدة طرفا بهما منذ البداية اما الحرب العالمية الثالثة فقد كانت الولايات المتحدة هي الدولة التي بدأتها وهي التي تنشر فيها جيوشها في ارجاء العالم وهي التي تستخدم فيها اسلحتها المتطورة تكنولوجيا وهي الدولة العظمى الوحيدة التي توجه الحرب وتوجه السياسة العالمية بمفردها وما على الدول الاخرى الا اطاعتها واعلان خضوعها للولايات المتحدة الاميركية.
في الحربين العالميتين السابقتين كانت هناك كتلتان من الدول تحاربان بعضهما بجيوشهما واسلحتهما. اما في الحرب العالمية الثالثة فان الولايات المتحدة تشن حربها على عدو غير منظور، عدو لا جيش له، عدو لا دولة له، عدو غير معروف الهوية، عدو ليس له موقع جغرافي محدد، عدو موجود في ارجاء العالم، عدو اسمه الارهاب. اين هو الارهاب؟ هو في العالم كله في الولايات المتحدة ذاتها وفي الدول الحليفة لها وفي دول العالم اجمع. فالارهاب يشمل اميركا اللاتينية وافريقيا واسيا واوروبا واستراليا. ولذلك فان الولايات المتحدة اعلنت الحرب على العالم كله، فمن ليس معنا هو عدونا ومن لا يحالفنا في محاربة الارهاب هو ارهابي او مؤو للارهاب. وقد حددت الولايات المتحدة محاور للارهاب ودعتها محاور الشر وحددت العديد من الدول التي اما انها تؤوي الارهاب او تؤيد الارهاب او ارهابية. واصبح على الدول ان تقبل احتلال الولايات المتحدة عسكريا بحجة مساعدتها على محاربة الارهاب والقضاء عليه في داخلها والا فان هذه الدول تتعرض الى غضب الولايات المتحدة الذي يؤدي عادة الى احتلالها.
في الحربين العالميتين السابقتين كانت شعوب الدول المتحاربة هي التي تتحمل تكاليف الحرب الباهظة بينما كانت الولايات المتحدة تجتني اقصى الارباح من مبيعاتها الى هذه الدول والى العالم اجمع مما مكنها ان تلقي بعض الفتات لعمالها وفلاحيها اما في الحرب العالمية الثالثة فان الولايات المتحدة هي التي تتكلف بنفقات حربها بالدرجة الرئيسية وهذا ما يؤدي الى تفاقم اوضاع الشعب الاميركي المادية والمعاشية.
تمتاز الحرب العالمية الثالثة بانها حرب ضد الصديق قبل العدو. فمن اجل الهجوم على دولة مثل افغانستان قامت الولايات المتحدة باحتلال باكستان وتاجكستان وقرغيزستان واوزبكستان عسكريا. ولم يكن هذا الاحتلال مؤقتا حتى نهاية الحرب ضد افغانستان بل هو احتلال مستمر الى امد غير مسمى. وكانت الولايات المتحدة قد استخدمت نفس الاسلوب في حربها ضد العراق فيما يسمى بحرب الخليج الثانية بحجة تحرير الكويت. فقد قامت اولا باحتلال كافة دول الخليج مثل السعودية والبحرين والكويت وقطر عسكريا واقامت فيها القواعد العسكرية لا بصفتها دولة احتلال بل بصفتها الصديق الصدوق الذي يقوم باحتلالها من اجل انقاذها من صدام والدفاع عنها ضد عدوانه. ولكن احتلال الخليج ما زال قائما بعد اكثر من عشر سنوات وهو مستمر الى ان تأتي القوة التي تستطيع اخراجها من هذه البلدان.
بدات الولايات المتحدة حرب الارهاب العالمية بالاعداد للهجوم على افغانستان لغرض القضاء على منظمة القاعدة وزعيمها اسامة بن لادن وحكم طالبان وتحرير الشعب الافغاني منها. وفي سبيل ذلك كان على جميع دول العالم ان تحالفها في تلك الحرب. فسرعان ما اعلنت جميع دول العالم تقريبا تحالفها مع الولايات المتحدة في الحرب ضد الارهاب ومساندتها لحربها العدوانية ضد افغانستان. وقد اعطى مجلس الامن الضوء الاخضر للولايات المتحدة لغزو افغانستان واحتلالها فجاءت الحرب تحت راية الامم المتحدة وباجماع المجتمع الدولي كالحروب التي سبقتها مثل كوريا وفيتنام والعراق. ومن المعروف ان الولايات المتحدة استهلكت في حربها لغزو افغانستان اضعاف ما استعمل من الاسلحة المدمرة خلال الحرب العالمية الثانية كلها. وكانت النتيجة احتلال افغانستان احتلالا عسكريا وتنصيب حكومة اشد تأمركا من اميركا فيها واستمرار استعمار افغانستان الى امد غير محدود مع استمرار نهب ثرواتها لزيادة ارباح الراسماليين الاميركان.
خارطة طريق الولايات المتحدة في النزاع الاسرائيلي الفلسطيني
كانت اسرائيل منذ نشوئها حليفة ثابتة للدول الامبريايالية وخصوصا للولايات المتحدة. وكانت سياسة الدول الامبريالية تسليح اسرائيل بحيث تكون دائما في حالة تفوق عسكري على كافة الدول العربية المجاورة لها وغير المجاورة لها. وقد استمرت هذه السياسة بصورة دائمة حتى يومنا هذا.
وجرى احتلال الضفة الغربية وغزة في ١٩٦٧ وبدا كأن الحلم الصهيوني باسرائيل الكبرى قد بدأ يتحقق. فقد تحقق استيلاء اسرائيل على الضفة الغربية وغزة خلال ستة ايام وبمنتهى السهولة واقل التضحيات البشرية. ولكن شيئا كان خفيا على حكام اسرائيل هو ان الحكومات يمكن قهرها والتغلب عليها بالحرب ولكن الشعوب شيء اخر لا يمكن القهر العسكري ان يتغلب عليه. وقد عبر زعيم اسرائيل الاكبر، بن غوريون، عن ذلك بقوله ان الضفة الغربية وغزة هي سرطان اسرائيل. ونشأ صراع الشعب الفلسليني ضد الاحتلال الاسرائيلي بمقاييس مختلفة حسب الظروف ولكن هذا الصراع لم يتوقف ولم تمنعه فرص العمل التي هيأها الاسرائيليون للعمال والفلاحين الفلسطينيين كايد عاملة رخيصة. وحدثت الانتفاضة الاولى وظهر اطفال الحجارة مما ازعج الحكومات الاسرائيلية لان الجيش الاسرائيلي اعد لمحاربة الجيوش ولم يجر اعداده لمحاربة اطفال الحجارة. فقامت اميركا، "راعية السلام"، باعداد خطة اوسلو لانهاء الانتفاضة والدخول في مفاوضات دامت عشر سنوات لم تشهد سوى تنازلات فلسطينية بدون اية تنازلات من قبل اسرائيل ونالت اسرائيل فرصة لتوسيع مستوطناتها وجعلها امرا واقعا، الى ان اقتحم شارون المسجد الاقصى فاشعل نار الانتفاضة الجديدة وانتهى عهد اوسلو عند هذا الحد بدون ان يعطي الفلسطينيين اية مكاسب حقيقية.
كانت الانتفاضة الجديدة اشد عنفا واكثر ازعاجا للحكومات الاسرائيلية وخصوصا عند اشتداد العمليات الاستشهادية او الانتحارية التي اودت بحياة العديد من الاسرائيليين. وقد وعد شارون باخضاع الفلسطينيين وجعلهم يركعون له بالقوة العسكرية فقام الجيش الاسرائيلي بهجماته المتنوعة وبجميع اشكال الاسلحة من قنابل وصواريخ واغتيالات واعتقالات وهدم البيوت وجرف المزارع لاكثر من سنتين فلم يخضع الفلسطينيون ولم تقمع الانتفاضة بحيث اضطر حتى شارون الى الاعتراف بانه لا يمكن ابقاء شعب من ثلاثة ملايين ونصف تحت الاحتلال بصورة دائمة.
وكانت السلطة الفلسطينية في طيلة هذه المدة تطالب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي والامم المتحدة بالضغط على اسرائيل واجبارها على الانسحاب من الاراضي المحتلة وازالة المستوطنات ومنح الشعب الفلسطيني حق اقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس واعادة اللاجئين الخ...
وجاءت خارطة الطريق الجديدة التي وعد فيها بوش باقامة دولة فلسطينية في سنة ٢٠٠٥. وتذكرني خارطة الطريق هذه بالمثل الشعبي "عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة". فالدولة الفلسطينية هي عصفور على الشجرة وسيبقى على الشجرة حتى ٢٠٠٥. ولكن هناك عصافير في اليد لا تنتظر حتى ٢٠٠٥. علينا قبل كل شيء ان نلاحظ التوقيت في اعلان خارطة الطريق. فرغم التحدث عن خارطة الطريق وعن قرب اعلانها لم يجر اعلانها رسميا الا بعد غزو العراق واحتلاله عسكريا. وقد اعلن باول وزير خارجية الولايات المتحدة ان على دول الشرق الاوسط كلها ان تتعظ وان تفهم نتائج الحرب العراقية. فما الذي يجب على سورية ولبنان وايران مثلا ان تفهمه من نتائج الحرب العراقية؟ ان اهم نتيجة يمكن استخلاصها هي ان من يقف في وجه الولايات المتحدة الاميركية او يعارضها او يتحدى مصالحها في استعباد العالم كله مصيره مصير العراق. وهذا بالطبع الدرس الذي تريد الولايات المتحدة تلقينه للسلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني. وواضح ان خارطة الطريق لم يجر اعلانها قبل نيل العصفور الاول. فقد كان اول شروط الولايات المتحدة لاعلان خارطة الطريق خلق منصب رئيس وزراء في السلطة الفلسطينية وتعيين محمود عباس (أبو مازن) بهذا المنصب وقد نالت الولايات المتحدة عصفورها الاول وتحقق خلق منصب رئيس وزراء وعين محمود عباس في هذا المنصب وعين معه محمد دحلان وزيرا للامن رغم ارادة ياسر عرفات.
وطعم العصافير لذيذ وكلما تمتعت الولايات المتحدة بطعم عصفور زادت شهيتها للمزيد من العصافير وكما يقول المثل العراقي "اليضوغة يبلش". فتوالت الطلبات على العصافير. فاول عصفور كان اعلان محمود عباس معارضته للارهاب مهما كانت دوافعه واغراضه وحدد الارهاب بانه الاعتداء على المدنيين الاسرائيليين ولم يشمل بالارهاب المجازر التي تجري ضد الفلسطينيين. والعصفور الاخر هو تعهد محمود عباس بايقاف الانتفاضة او ايقاف الارهاب الفلسطيني. والحبل على الجرار.
ماهي حقيقة خارطة الطريق هذه؟ الحقيقة هي ان النزاع الفلسطيني الاسرائيلي ليس في الواقع سوى حرب اميركية هدفها ادامة احتلال فلسطين وارهاب الشرق الاوسط كله عن طريق تسليح اسرائيل ودفعها الى الحرب. فالحرب الجارية في الضفة الغربية ليست من مصلحة الشعب الاسرائيلي. فالشعب الاسرائيلي يقدم الضحايا البشرية كل يوم ويقدم التكاليف الباهظة للحرب ويجعل من شبابه جيشا محتلا يقضي جل حياته في ساحات الحرب وداخل الدبابات مما يشوه حياته كانسان وكرب عائلة. ولا يستفيد من الحرب سوى عدد ضئيل من اصحاب البلايين الاسرائيليين وغير الاسرائيليين.
وليست الحرب في صالح الفلسطينيين الذين يناضلون من اجل حريتهم وانهاء الاحتلال وتحقيق حريتهم في تقرير مصيرهم. فالحرب تؤدي الى الاف الضحايا البشرية والى تدمير البيوت والعمارات وجرف المزارع وتشريد الاطفال اليتامى والقاء الالاف في السجون.
ان خارطة الطريق في واقعها الحالي ليست سوى جزء من خارطة طريق الولايات المتحدة التي تهدف الى السيطرة التامة على العالم كله. فالولايات المتحدة هي الطرف الاساسي في هذه الحرب, والولايات المتحدة هي الامر الناهي في كل ما يتعلق بهذه الحرب. والولايات المتحدة هي التي توجه الاوامر للحكام الاسرائيلييين فيما يجب ان يتخذوه من وسائل لانهاء الحرب لصالحها, والولايات المتحدة هي التي تجهز اسرائيل باشد انواع الاسلحة فتكا لتجربتها على الشعب الفلسطيني. ان الولايات المتحدة في الواقع هي التي تحارب في فلسطين وتتخذ من الشعب الاسرائيلي جيش مرتزقة لها في هذه الحرب ولو ان الشعب الاسرائيلي هو الذي يموله. ولذلك باءت كل النداءات التي توجهها القيادة الفلسطينية وزعماء الدول العربية الموالية للولايات المتحدة بالفشل في دفع الولايات المتحدة الى اجبار اسرائيل على التخلي عن سياستها. فالولايات المتحدة هي العدو وليست هي الراعية للسلام في الشرق الاوسط. ان الحرب الفلسطينة الاسرائيلية هي جزء لا يتجزأ من الحرب العالمية الثالثة التي اعلنتها الولايات المتحدة في ١١ سبتمبر.
ان اخماد الانتفاضة أو انهاء الارهاب كما يسمي ذلك ابو مازن والعديد من زعماء الدول العربية لا يعني بالضرورة انهاء عمليات الاغتيال وتدمير البيوت وجرف المزارع والاعتقالات وغير ذلك. فبالنسبة للولايات المتحدة توجد عمليتان مختلفتان لا علاقة لاحداهما بالاخرى. الانتفاضة والعمليات الانتحارية هي ارهاب ويجب القضاء عليه بكل الوسائل. وثمة عملية اسرائيل في الدفاع عن النفس وهي عملية شرعية بالنسبة للولايات المتحدة وينبغي ان تستمر حتى يتم نزع اسلحة الدمار الشامل التي تهدد امن الولايات المتحدة وامن اسرائيل وامن العالم اجمع من ايدي اطفال الحجارة ولو ان الجيش الاسرائيلي ينتج تلالا من هذه الاسلحة بتدمير العمارات والبيوت وتحويلها الى حجار يستخدمه الاطفال لمهاجمة الدبابات. لذلك ليس غريبا ان يقول رئيس الاستخبارات الاسرائيلي ان اسرائيل تلقت الضوء الاخضر (اي الامر) في مواصلة اغتيال زعماء حماس في الوقت الذي يتشدق بوش وباول بالتأكيد على تحقيق خارطة الطريق. وليس من الغريب ان يظهر باول انزعاجه من اغتيال القواسمة لان ذلك قد يعرقل تنفيذ خارطة الطريق ولكنه في الوقت نفسه يستدرك بان من حق اسرائيل ان تغتاله اذا كانت واثقة من انه يحاول القيام بعمليات ارهابية. وليس غريبا ان تعلن اكثر الفضائيات العربية انزعاج باول بدون ذكر تحفظه واعطاء اسرائيل حق الاغتيال دفاعا عن النفس.
ونسمع كل يوم نداءات القيادات الفلسطينية والعديد من رؤساء الدول العربية للمجتمع الدولي للضغط على اسرائيل. فمن هو المجتمع الدولي؟ هل هناك فعلا مجتمع دولي؟ ان الواقع يثبت ان ليس في العالم مجتمع دولي حقيقي منفصل عن الولايات المتحدة ويشكل ضغطا عليها او رادعا لها. فاذا اعتبرنا الامم المتحدة مثلا مجتمعا دوليا كما هو من المفروض ان تكون فاننا نشاهد ان الولايات المتحدة كانت منذ تأسيسها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم مؤيدة ومساندة لحروب الولايات المتحدة في العالم اجمع. واذا حاولت الامم المتحدة الوقوف ولو مرة في وجه السيطرة الاميركية فان الولايات المتحدة لا تتورع عن اذلال الامم المتحدة وطمس سلطاتها وتأثيرها.ليس في العالم اليوم في الواقع مجتمع دولي حقيقي بل ما يسمى المجتمع الدولي لا وجود له الا حين يقف الى جانب الولايات المتحدة في حروبها.
كذلك نسمع كل يوم عن دور اللوبي اليهودي او اللوبي الصهيوني في التأثير على سياسة الولايات المتحدة ودعوة العرب او المسلمين الى خلق لوبي مشابه ذي تأثير معاكس لتأثير هذا اللوبي اليهودي او لمحاولة ما يسميه بعض الاعلاميين "تحييد الولايات المتحدة". هل يقوم اللوبي اليهودي فعلا بتخطيط سياسة الولايات المتحدة تجاه اسرائيل؟ وهل يشكل هذا التأثير اساسا لدعم الولايات المتحدة لاسرائيل في كل سياساتها؟ اعتقد ان تأثير اللوبي اليهودي على سياسة الولايات المتحدة في اسرائيل او غير اسرائيل ليس سوى ان اللوبي اليهودي هو جزء لا يتجزأ من الادارة الاميركية وبهذه الصفة وحدها يؤثر على سياسة الولايات المتحدة. وليست اسرائيل بالنسبة للوبي اليهودي او للادارة الاميركية سوى احدى الدول المستعمرة اقتصاديا وسياسيا شأنها في ذلك شأن كل دولة مستعمرة اخرى. واسرائيل كما نعلم هي من اكبر مستوردي الاسلحة الاميركية ان لم تكن اكبرها جميعا وهي البعبع الذي يحفز الدول العربية على شراء الاسلحة بعشرات مليارات الدولارات كل سنة من الولايات المتحدة. وليس حرص اللوبي اليهودي على اسرائيل سوى حرصه على الارباح الطائلة التي يجتنيها هذا اللوبي من الامتيازات الاقتصادية التي يحوز عليها في الاقتصاد الاسرائيلي المدني والعسكري. ولو سلك اللوبي اليهودي سياسة مناقضة للسياسة العامة للولايات المتحدة تجاه اسرائيل او غيرها لنبذته الادارة الاميركية ولما كان له اي تأثير على السياسة الاميركية. وهذا هو السبب في ان العرب والمسلمين رغم نفوذهم في الولايات المتحدة لا يستطيعون ان يشكلوا جهازا كاللوبي اليهودي. فاللوبي العربي او الاسلامي من المفروض ان يؤثر على الادارة الاميركية في اتجاه غير اتجاهها الحالي فيما يتعلق باسرائيل وما يسمى دفع الادارة الاميركية على الضغط على اسرائيل لتلبية المطالب العربية في انسحاب اسرائيل من الاراضي الفلسطينية والسماح بقيام دولة فلسطينية مستقلة فيها وعليه ليس لمثل هذا اللوبي امل في الحياة او النجاح. واذا كان لعربي تأثير على سياسة الولايات المتحدة فلا يكون هذا سوى كون هذا العربي جزء من الادارة الاميركية او عميلا لها. فمثلا سمعنا ان بوش عين جنرالا من اصل لبناني للعمل في الجيش الاميركي الذي يحتل العراق. فهل يستطيع هذا الجنرال اللبناني الاصل الذي يتكلم اللغة العربية ان يتصرف في العراق كعربي له سياسة مناقضة للسياسة الاميركية؟ بالطبع لا. فهو جنرال اميركي وموظف اميركي وخادم للسياسة الاميركية. واذا توفر لوبي عربي من مثل هذا الجنرال فلا يكون سوى لوبي عربي يمثل جزءا من الادارة الاميركية شأنه شأن اللوبي اليهودي.
ان خارطة الطريق ليست سوى خطة اميركية لانهاء الانتفاضة واجبار الفلسطينيين او قيادتهم على تقديم المزيد من التنازلات في انتظار تشكيل الدولة الفلسطينية في ٢٠٠٥. ولم تتطرق خارطة الطريق الى نوع هذه الدولة ولا حدودها ولا مدى استقلاليتها. فهي حتى لو نشأت تكون دولة منزوعة السلاح كما يسميها شارون ولا تتمتع بسياسة خارجية مستقلة الى اخر ذلك من الشروط التي تفرضها الولايات المتحدة باسم اسرائيل على الفلسطينيين. اي ان هذه الدولة اذا ما تحققت فانها تكون دولة مهمتها القيام بما يحاول ان يقوم به الجيش الاسرائيلي من قمع حركة التحرر الفلسطينية وتثبيت الاحتلال والاستعمار الحقيقي للضفة الغربية وغزة. ان اللجوء الى المفاوضات بين سلطة لا سلطة لها وبين الولايات المتحدة الخارقة القدرة وحليفتها اسرائيل لا تؤدي الى غير ما تؤديه المفاوضات بين الذئب والحمل، اذ هي في كل الحالات تؤدي الى افتراس الحمل. وان نداءات القادة الفلسطينيين وقادة الدول العربية الموالية للولايات المتحدة الموجهة الى الولايات المتحدة ليست سوى نداءات تافهة يوجهها حليف العدو الى العدو الاساسي في القضية من اجل حل هذه القضية. الولايات المتحدة هي الذئب والسلطة الفلسطينية هي الحمل.
تعهد محمود عباس للولايات المتحدة ولاسرائيل باخماد الانتفاضة وانهاء الارهاب الفلسطيني. وينعكس هذا في شعار الهدنة بين حماس والجهاد وبين اسرائيل لمدة معينة على ان تعلن اسرائيل هدنة مماثلة. والهدنة لا تعني سوى اخماد الانتفاضة. ولكن هل يكفي اعلان الهدنة من قبل حماس لارضاء الولايات المتحدة؟ بالطبع لا. فبعد الهدنة يأتي مطلب نزع سلاح هذه المنظمات وثم مطلب اعتقال زعمائها ومطلب تسليم الزعماء الى اسرائيل للمحاكمة وهلم جرا. وينتفي الاتفاق عند اول مطلب لا يستطيع محمود عباس تنفيذه للولايات المتحدة وقد يتحول حتى محمود عباس الى ارهابي يجب التخلص منه شأنه في ذلك شأن عرفات.
وما يدرينا ان لا يظهر قبل قيام الدولة الفلسطينية في ٢٠٠٥ صياد ماهر يصطاد عصفور الدولة من على الشجرة كما اصطاد عصفور اوسلو بعد عشر سنوات من المفاوضات العقيمة؟ واذ ذاك تمحى كل الاتفاقات المبرمة خلال المفاوضات ويبدأ البحث من جديد عن مفاوضات جديدة تقوم على اساس كل التنازلات التي قدمها الجانب الفلسطيني مع انكار الاتفاقات التي قدمها الجانب الاميركي الاسرائيلي. وتبدأ الانتفاضة الثالثة.                                    

مناسبة ذكرى ثورة اكتوبر

الرفيق حسقيل قوجمان


 
بمناسبة ذكرى ثورة اكتوبر
بمناسبة اقتراب موعد ذكرى ثورة اكتوبر قررت ادارة الحوار المتمدن مع جزيل الشكر اعادة نشر مقال لي حول كون ثورة اكتوبر ثورة اشتراكية نشرت سابقا فكانت اعادة نشره مفاجأة سارة بالنسبة لي.
وقد ارسل لي قارئ عزيز هو الاخ سامر علي تعليقا هاما بالنص التالي:
"تقول ان اكتوبر استلمت مجتمعاً رأسمالياً ببقايا إقطاعية !
سؤالي .. هل أنت متأكد ان علاقات الانتاج في روسيا كانت قد وصلت الرأسمالية فعلاً ؟
عندما تقول رأسمالياً يعني أنك تفترض أن روسيا كانت من حيث التطور تضاهي المانيا وبريطانيا واليابان والولايات المتحدة ! هل هذا كان واقعاً في روسيا القيصرية ؟ أم ان روسيا كانت مغرقة بعلاقات إقطاعية متخلفة لا تساوي الطبقة العاملة الحقيقية فيها 4% من مجموع السكان ؟ هل إنسجمت الطروحات البراغماتية لقادة الثورة مع نهج ماركس ؟ أين ومتى وكيف ؟
حول سؤالك الاول: هل أنت متأكد ان علاقات الانتاج في روسيا كانت قد وصلت الرأسمالية فعلاً ؟
علاقات الانتاج الراسمالية تنشأ في احضان النظام الاقطاعي ولا تنشأ عند انتهاء النظام الاقطاعي. ففي ظل النظام الاقطاعي تنشأ المشاريع الراسمالية المحلية منها والاجنبية وتنشأ معها الطبقة العاملة وتنمو الى ان يحين موعد الثورة البرجوازية. وهذا معروف تاريخيا ليس في روسيا القيصرية وحسب بل في كافة البلدان الراسمالية قبل حدوث ثورتها البرجوازية. وينشأ الصراع بين هذه المؤسسات البرجوازية وبين السلطة الاقطاعية التي تمارس اضطهادها ضدها لمنع تطورها ومنع وصولها الى لحظة الثورة التي تطيح بسلطتها الاقطاعية. هذا يصح على كل الدول الراسمالية الكبيرة والصغيرة القائمة في العالم.
ولست انا او غيري نحتاج الى التأكد من نشوء علاقات الانتاج الراسمالية في روسيا القيصرية لان علينا ان نراجع التاريخ وهذا التاريخ هو الحقيقة الوحيدة. هذا التاريخ ينبغي ان يكون راينا وكل من يغير او يحاول تغيير التاريخ يجب ان يزيف التاريخ. فقد نشأت في روسيا القيصرية مشاريع راسمالية كثيرة اغلبها مشاريع امبريالية غربية بريطانية او فرنسية. والتاريخ يسجل لنا ان الطبقة العاملة الروسية اصبحت طبقة هامة نتيجة لهذه المشاريع الراسمالية منذ سبعينات القرن التاسع عشر بحيث تالفت منظمات للطبقة العاملة منذ السبعينات بقيادة بليخانوف الذي ادخل الماركسية الى روسيا القيصرية عن طريق مؤلفاته الماركسية والمؤلفات التي ترجمها. لذلك فان الجواب على السؤال الاول هو ان علاقات الانتاج الراسمالية لم تنشأ قبيل ثورة اكتوبر وانما منذ سبعينات القرن التاسع عشر واكبر برهان على ذلك ان لينين كتب كتابا كبيرا حول تطور الراسمالية في روسيا القيصرية قبل ثورة اكتوبر الاشتراكية وقبل ثورة شباط الراسمالية.
ننتقل الان الى الفرضية التي افرضتها في العبارة التالية: عندما تقول رأسمالياً يعني أنك تفترض أن روسيا كانت من حيث التطور تضاهي المانيا وبريطانيا واليابان والولايات المتحدة ! هل هذا كان واقعاً في روسيا القيصرية ؟
هذا غير صحيح فانا لا افترض شيئا من هذا القبيل. مثل هذه الفرضية غير صحيحة ليس فقط في روسيا القيصرية بل في العالم كله. ان تطور الدولة الراسمالية يجري بسرع مختلفة بحيث ان الدولة العظمى اليوم قد تصبح دولة اصغر من دول راسمالية اخرى كما حدث مثلا في بريطانيا التي كانت لا تغيب عن علمها الشمس ولكن المانيا التي نشأت في اربعينيات القرن التاسع عشر تفوقت من الناحية الصناعية على بريطانيا قبل الحرب العالمية الاولى وان بريطانيا اصبحت دولة تخضع لسلطة الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. واضافة الى هذه الدول المتطورة راسماليا التي ذكرتها توجد في العالم اقطار راسمالية لا تقاس في تطورها الراسمالي بهذه الدول في اوروبا واسيا وافريقيا واميركا الجنوبية.
ان الذي يقرر ما اذا كانت الدولة راسمالية ام لا هو الطبقة الحاكمة في ذلك البلد. ان ما يحدد كون الدولة راسمالية هو وجود الطبقة الراسمالية في الحكم وليست الطبقة الاقطاعية بصرف النظر عن درجة تطور البلد في الانتاج الراسمالي.
اما قولك "ان روسيا كانت مغرقة بعلاقات إقطاعية متخلفة لا تساوي الطبقة العاملة الحقيقية فيها 4% من مجموع السكان"
انا لا اعرف نسبة الطبقة العاملة الدقيقة في زمن ثورة اكتوبر ولكن القول بان روسيا كانت مغرقة بعلاقات اقطاعية متخلفة فهذا حقيقة تاريخية لا يختلف فيها اثنان. ومع ذلك حدثت في شباط الثورة البرجوازية الروسية وجاءت لفترة قصيرة سلطة مزدوجة، سلطة البرجوازية وسلطة السوفييتات، الى ان تحولت السلطة الى سلطة برجوازية نظرا لتخاذل قيادة السوفييتات امام البرجوازية. ولم ينكر لينين هذه الحقيقة بل اكد عليها بحيث تحدث عن اضعف حلقة في السلسلة الراسمالية وامكانية حدوث الثورة الاشتراكية في كسر اضعف حلقة في هذه السلسلة. وبين ان الثورة الاشتراكية استطاعت في مدة وجيزة ان تنهي هذا التخلف بالقضاء على بقايا الانتاج الاقطاعي ونمط الحياة الاقطاعية انهاء فاق ما استطاعت ان تحققه الثورات البرجوازية في مئات السنين واورد مثلين على ذلك هما ثورة كرومويل البرجوازية في بريطانيا التي لم تحقق التخلص التام من العلاقات الاقطاعية حتى الان والثورة الفرنسية الكبرى.
والان نصل الى سؤالك الختامي: هل إنسجمت الطروحات البراغماتية لقادة الثورة مع نهج ماركس؟ أين ومتى وكيف ؟
قد يكون هذا السؤال اهم اسئلتك لانه موضوع اتخذه نقاد لينين والحزب البلشفي والثورة الاشتراكية بشتى انواعهم واشكالهم وحتى الذين يتخذون الماركسية والثورة حجة في انتقاداتهم.
للاجابة على هذا السؤال نحتاج قبل كل شيء الى ان نتعرف على نهج كارل ماركس في هذا الموضوع. ويؤسفني القول بانني لا استطيع اقتباس نص راي ماركس في هذا الموضوع لاني احتاج الى البحث عنه وهو ما لا استطيعه ولكن انجلز عبر عن ذلك باروع واوضح وابسط صورة في السؤال الخامس والعشرين من كراسه "مبادئ الشيوعية".
"بما ان الشيوعيين لا يستطيعون ان يحسبوا انه سيتاتى لهم خوض المعركة الفاصلة ضد البرجوازية قبل ان تبلغ البرجوازية السيادة، فمن مصلحة الشيوعيين مساعدة البرجوازية على بلوغ السيادة في اسرع وقت ممكن لكي يطيحوا بها بدورهم فيما بعد في اسرع وقت ممكن. "(ماركس اتجلس منخبات، المجلد ١ صفحة ١٠٨ – ١۰٩ )
ليس لدي ما اقتبسه من ماركس في هذا الموضوع ولكني استطيع الافتراض بلا شك ان رايه مماثل لراي انجلز كما هو الحال في كل ارائهما. ومع ذلك من المعروف ان الجريدة التي كان كارل ماركس رئيس تحريرها كانت مؤيدة للثورة البرجوازية الالمانية.
وكان موقف لينين والحزب البلشفي واضحا ومطبقا للمبدأ الذي حدده انجلز في العبارة المقتبسة اعلاه في ثورة ١٩٠٥ الروسية اذ ساهمت الطبقة العاملة في الثورة مع الفلاحين في سوفييتات العمال والفلاحين التي نشأت في هذه الثورة فساندت البرجوازية في ثورتها كما اراد انجلز. ولكن الثورة كانت ثورة فاشلة كما هو معروف تاريخيا.
وفي المؤتمر الثاني للحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي قرر برنامج الحزب ان المرحلة الاولى في روسيا هي الثورة البرجوازية للاطاحة بالنظام القيصري الاقطاعي والمرحلة الثانية هي الثورة الاشتراكية للاطاحة بالنظام الراسمالي وتحقيق الاشتراكية. وهذا البرنامج ينسجم مع نهج ماركس انسجاما تاما.
بعد المؤتمر الثاني كتب لينين كراسه تكتيكان لكي يوضح موقف البلاشفة بالمقارنة مع موقف المنشفيك في موضوع الثورة البرجوازية القادمة. وقد اوضح لينين في هذا الكراس ان الطبقة العاملة في روسيا قد تطورت في وعيها وتنظيمها وسياستها وقوتها بحيث انها لا تكتفي باسناد البرجوازية في ثورتها وانما بالاتحاد مع الفلاحين بامكانها ان تنافس البرجوازية في قيادة الثورة وقيادة الثورة بدلا من الطبقة البرجوازية. وحدد نوع الحكومة التي تتشكل عند نجاح الطبقة العاملة والفلاحين في قيادة الثورة البرجوازية. ولاول مرة سمع العالم عما سماه لينين دكتاتورية العمال والفلاحين الثورية. وبين انه في حالة تحقق مثل هذه الدكتاتورية بامكانها ان تطور الثورة البرجوازية الى الاشتراكية دونما حاجة الى ثورة مسلحة.
وحين اندلعت الثورة البرجوازية الثانية في شباط ١٩١۷ ناضلت الطبقة العاملة بالاتحاد مع الفلاحين في السوفييتات لا لمساندة البرجوازية في الثورة وحسب بل لتطويرها الى سلطة السوفييتات بدلا من السلطة البرجوازية. ونشأت نتيجة الثورة سلطتان متنافستان سلطة البرجوازية وسلطة السوفييتات فيما دعي السلطة المزدوجة لفترة قصيرة بعد الثورة ولكن تخاذل قيادة السوفييتات المنشفية امام البرجوازية ادى الى تحول السلطة نهائيا الى سلطة برجوازية. وطبقا لنهج انجلز اعلن لينين تحول الثورة الى مرحلة الثورة الاشتراكية كما كان مبدأ انجلز بالعمل على الاطاحة بالبرجوازية. وعمل الحزب البلشفي بقيادة لينين على اعداد وقيادة سوفييتات العمال والفلاحين (الجنود) من اجل تحقيق الثورة الاشتراكية طبقا لنهج انجلز. ونجحت الطبقة العاملة بالاتحاد مع الفلاحين وفي ظروف الحرب التي دمرت روسيا بلا مصلحة لها في الحرب وتخاذل الطبقة الحاكمة البرجوازية في تحقيق اهداف ثورتها البرجوازية كالقضاء على علاقات الانتاج الاقطاعية وانهاء الحرب التي كان الشعب الروسي يعاني منها فاعلنت ثورتها الاشتراكية في اكتوبر واطاحت بالحكم البرجوازي وحققت دكتاتورية الطبقة العاملة. وهذا ينطبق تمام الانطباق مع نهج ماركس انجلز.
ان الذين ينتقدون لينين والحزب البلشفي على اعلان الثورة قبل نضوج النظام الراسمالي في روسيا هم جهلة بمعنى الثورة اطلاقا. ان البرجوازية الحاكمة ليست الطبقة التي تقوم بالثورة وانما العمال والفلاحون بقيادة الطبقة العاملة هم الذين يقومون بالثورة والاطاحة بالسلطة البرجوازية. لذلك ان من يعتقد ان على الطبقة العاملة ان تنتظر نضوج الراسمالية لكي تقوم بالثورة على خطأ مبين.
ان ما يحدد نضوج الثورة او عدم نضوجها هو قوة الطبقة العاملة وقوة تحالفها مع الفلاحين واستعدادها للقيام بالثورة وكفاءة قيادتها للقيام بالثورة. وهذا ما تحقق في روسيا الراسمالية بعد ثورة شباط. وكان ضعف البرجوازية الروسية في الحكم وقلة خبرتها في ادارة الحكم ومقاومة الثورية البروليتارية عاملا مساعدا للطبقة العاملة في ثورتها. فهل كان على لينين ان يتريث حين اصبحت الطبقة العاملة مستعدة للقيام بالثورة لكي يمنح البرجوازية الحاكمة فرصة للحصول على النضوج والتقدم وحيازة الخبرة في مقاومة الحركات الثورية. لو فعل لينين ذلك لكانت خيانة كبرى للطبقة العاملة. وامامنا ما هو حاصل في العالم من تطور الراسمالية الى مديات هائلة ولم تحدث بها الثورة لعجز الطبقة العاملة وقيادتها على تحقيق الثورة.
ان تخلف التطور الراسمالي وضعف الطبقة البرجوازية ليس مانعا لقيام الثورة. فالطبقة العاملة الحاصلة على السيادة بامكانها ان تقضي على التخلف الاقتصادي اسرع من البرجوازية. ومعروف تاريخيا ان دكتاتورية البروليتاريا في روسيا استطاعت ان تتقدم وتقضي على التخلف الاقتصادي بسرعة لا تقاس بالسرعة التي تتقدم بها البرجوازية. فقد شاهدت البشرية تاريخيا ان الاتحاد السوفييتي انجز من التقدم في عقدين ما لم تستطع اية دولة راسمالية انجازه في قرنين.
ان سلوك لينين والحزب البلشفي سلوك منسجم تمام الانسجام مع نهج ماركس وانجلز.

2012-12-08

الصهيونية نبتة جذورها الخيانة

الرفيق فوأد النمري

الحديث طويل لا ينتهي عن الصهيونية ومع ذلك يمكن اختصاره بكلمتين كما في القول الدارج .. وداوِها بالتي كانت هي الداء؛ فالصهيونية هي مداواة الخيانة بالخيانة. ولتحقيق مثل هذا التفسير، الذي سيشجبه الصهاينة بمختلف أطيافهم الخيانية بالطبع، يتوجب عليّ ترسّم جذور نبتة الصهيونية الخيانية عميقاً في تربة التاريخ.

لأسباب كثيرة لا سبيل للبحث فيها في هذا السياق، ظل الحوض الشرقي للبحر التوسط مطمعاً للغزاة من شتى الأجناس والأمم عبر التاريخ، فكان سكانه المعروفون لدى المؤرخين بالآراميين، باسم الحضارة الغالبة في المنطقة، من مخلفاة الغزاة وتلاقح أجناسهم المختلفة، منهم اليونان ومنهم الفرس والرومان وكذلك المصريون والأشوريون والحثيون وأمم كثيرة أخرى.
في عمق جذر الصهيونية كان الأسر البابلي. فعندما تطورت مملكة بابل وغدت بحاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة كان الحل أمام ملكها (نبوخذ نصّر) هو استحضار العبيد من البلدان المجاورة فغزا بلاد الشام 586 ق.م وجمع منها حوالي 7 آلاف شاب ساقهم إلى بابل للعمل كعبيد في حدائقها وأنظمة الري فيها. أولئك العبيد كانوا ما زالوا يحييون الحياة الرعوية المتخلفة جداً في فلسطين وأكثرهم من أصول مصرية، من قبائل الرعاة التي وفدت مع شيخها النبي موسى. في بابل تفتحت عيون هؤلاء العلوج حقاً على حياة مدنية مختلفة، انتقلوا من الحياة الرعوية المتخلفة إلى الحياة الزراعية المتقدمة. رأوا الحدائق الجميلة والحدائق المعلقة، رأوا أنظمة الري والأقنية، رأوا القصور الفخمة وأصخوا السمع للموسيقى وللشعر والقصص الكثيرة عن أساطير السومريين وآلهتهم وعن قصة الشيخ السومري أبرام وزوجته، أخته غير الشقيقة، ساراي وابن أخيه لوط وكيف فاض نهر الفرات على بلدتهم أور في قاع نهر الفرات مما حدا بالشيخ ابرام بأن يسوق قطعانه الكبيرة من الماشية صعوداً إلى أعالي الفرات حتى وصوله حرّان جنوب شرقي شبه جزيرة الأناضول مصطحباً معه زوجته وابن أخيه وأفراد عائلته الكبيرة،

كورش الكبير، مؤسس امبراطورية الفرس وصاحب أول وثيقة لحقوق الإنسان تدعو لتحرير المستعبدين من كل جنس ولون وحقهم في الحياة الحرة الكريمة، قام هذا الامبراطور وحيد عصره باحتلال بابل وسائر بلاد شرق المتوسط عام 537 ق.م وحرر عبيد السبي البابلي الذين أبرزهم أنبياء التوراة جميعهم، حزقيل ودانيال وأشعيا وغيرهم الذين غدوا رسل الفرس في تفريس مملكة يهودا الممتدة في جنوب فلسطين والأردن. تعهد هؤلاء الرسل بتبديل حامل الثقافة الوحيد في تلك العصور وهو الدين. بشّر هؤلاء الرسل اليهود، سكان يهودا بدين جديد وإله جديد هو " إيل " أحد آلهة البابليين ولم يكن الدين الجديد غير مجموعة من الأساطير السومرية والبابلية وأهمها قصة الشيخ السومري أبرام. مع بداية الربع الأخير من القرن السادس قبل الميلاد أخذ الرواة يروون هذه الأساطير السومرية والبابلية التي جاء بها رسل الفرس أنبياء التوراة وقد استبد بهم الاستلاب حتى باتوا يجزعون من النطق باسم الجلالة " إيل " فأخذوا يقولون بالآرامية (هو من هو) ( אהיה אשר אהיה ) وهو ما يجمل بلفظ (يهوه). كان قد سبق هؤلاء الأنبياء التوراتيين من رسل الفرس نبي توراتي آخر هو النبي جيرميا الذي كان من رسل البابليين والذي أنكر على شعب يهودا عبادة إله الكنعانيين " بعل " فزجّ به في السجن لأنه بشّر باحتلال الأشوريين ليهودا فكان أن حرره الأشوريون من السجن حال احتلالهم للبلاد في العام 586 ق.م. كما لحق أنبياء التوراة من رسل الفرس رسول فارسي آخر هو النبي التوراتي عزرا الذي أوفده داريوس الأول كيما يؤكد تفريس يهودا عن طريق الحامل الثقافي الجديد وهو الدين الجديد في يهودا والذي أخذ اسمها فسمى " اليهودية ". لقد منح داريوس النبي عزرا سلطات مطلقة تمثلت بفسخ زواج الزوج اليهودي الذي يدين بالديانة الجديدة، اليهودية، من الزوجة اليهودية التي لا تدين باليهودية. وهكذا اكتمل تفريس مملكة يهودا وشعبها من الآدوميين عن طريق الحامل الثقافي الجديد وهو الدين المنقول عن الأساطير السومرية والبابلية الذي أخذ إسم المملكة فأخذ يعرف باليهودية.

ظل الرواة يروون اساطير الديانة الجديدة " اليهودية " واستطالوا بقصة ابرام فزادوا على اسمه وجعلوه أبراهام وغيروا اسم زوجته ساراي فجعلوه ساره وأطالوا من عمره فجعلوه نحو مائتي عام وساره تحمل باسحق بعد أن تجاوزت الثمانين عاما وزوجها ابراهام المائة وعشرين عاما وهو ما يتعارض مع أوليّات قواعد البيولوجيا. كل ذلك من أجل أن يستقدموه إلى فلسطين عبر سوريا يعبرها بكل قطعان مواشيه العديدة وعائلته الكبيرة فيقيم في الخليل وهناك يقطع الله وعداً بأن تكون فلسطين لإبراهيم ولذريته العديدة عدد رمال البحر وهو ما لم يتحقق لا بالحرث ولا بالنسل. وكان الهدف من الوعد هو تحريم أرض يهودا على الغزاة المحتملين مثل الأشوريين الذين أذاقوهم مرّ العذاب. لم يكتفِ الرواة بهذا بل جعلوا ابراهيم يهاجر إلى مصر مخالفاً وعد الله المزعوم وفي مصر يترك زوجته الجميلة ساره لتكون خديناً لفرعون وقد أدهشه جمالها. لقاء ذلك يجزل فرعون بعطاياه لإبراهيم الذي بعدئذٍ يعود لفلسطين وزوجته سارة ولم يمتلك شبراً من أرضها خلافاً لوعد الله المزعوم فيضطر لشراء بقعة صغيرة كي يدفن زوجته. استطال الرواة باسطورة ابراهيم كي يتمكنوا من الإدعاء أن موسى والقبائل الاثنتي عشر أتباعه هم من اليهود نسل ابراهيم. لكنهم مع ذلك عادوا يقصون اسطورة أخرى عن يعقوب حفيد ابراهيم وأبنائه الإثني عشرة وهجرتهم إلى مصر.
ما يبطل تلك المزاعم الأسطورية هو أن سفر الخروج كما ظل يروى حتى تم تدوينه في التوراة المسيحية لم يشِ إطلاقاً أن موسى وأتباعه كانوا حتى على علم بأساطير الديانة اليهودية، وكيف لهم أن يعلموا وخروجهم تم قبل ثمانية قرون تقريباً كما يقدر المحققون من عودة الأنبياء الأسرى إلى يهودا ليبشروا بتلك الأساطير !؟ وبغياب كل أثر يسند مزاعم أسفار ابراهيم في سوريا وفلسطين ومصر ـ وزاد عليها المسلمون الحجازـ فكما لو أن ابراهيم وقطعان ماشيته الكبيرة كان يسافر بالطائرة (!!) يرجح المحققون على أن أبناء أبرام كانوا قد استقروا في حوض نهر (الباليخ) دون أن يتجاوزوه خلافاً لما زعم أنبياء اليهودية بعد ألفي عام، إذ تشير الدلائل إلى أن أحفاد السومري أبرام من أور هم من أقاموا مملكة كبيرة في (إيبلا /Ebla) قرب حلب وفيها وجد الآثاريون ألواحاً فخارية منقوشاً عليها بالخط المسماري أسماء اسحق ويعقوب ويهوذا وأورشليم وصادوم وعاموره تعود للعام 2300 ق.م

في العام 63 ق.م احتل الرومان بقيادة بومبي مصر وشرق المتوسط. لم ينسَ الرومان أن اليهود كانوا الحلفاء الأمناء للفرس طيلة حروبهم ضد اليونان والرومان. لذلك منح الرومان الاستقلال الذاتي للشعوب المحيطة بيهودا مثل الأنباط في البتراء والغساسنة في بصرى الشام والكنعانيين في تدمر لكنهم رفضوا رفضاً قاطعا أن يمنحوا الاستقلال الذاتي ليهودا وعينوا ملكاً عليها هو الآدومي هيرودس المتجنس رومانياً. أثقل الرومان على اليهود بالضرائب فقام اليهود بمائة ثورة ضد الاحتلال خلال قرن طويل انتهى بثورة عام 73 ميلادية عندما تغلب اليهود على عسكر الرومان فكان أن استقدمت روما جيوشاً من بريطانيا تمكنت من سحق الثورة وهدم الهيكل. النصرانية كانت أطول وأعمق تلك الثورات التي بدأت بيوحنا العمدان يدعو اليهود لهجرة المدن والعيش في الصحراء كيلا يدفعوا ضرائب لروما وسميت حركته اليسين (Essenes) وتعني بالآرامي اليائسين. عندما أعتقل يوحنا وأعدم فيما بعد هرب تلميذه يسوع (Jesus) إلى الجليل الذي كان يدعى آنذاك بجبل النار نظراً لاستعار الثورة فيه وضعضعة سلطة روما هناك. في الجليل لجأ يسوع في كفرناحوم إلى بيت بطرس (سيمون) وأخيه إندراوس، وبطرس هذا كان رئيس منظمة الناصريين (Nazzerine) وهي كلمة آرامية تعني المنذورين، منذورين لمحاربة روما بالسيف وبالخنجر. وعليه كان يسوع الناصري المنظم لمنظمة الناصريين وليس من مدينة الناصرة، كما يؤمن المسيحيون أتباع بولص، والتي لم تكن قد بنيت بعد كما يؤكد الأركيولوجيون البريطانيون.

في مواجهة الاحتلال الروماني انقسم اليهود إلى قسمين كما هو الحال في مواجهة كل احتلال، قسم يتعامل مع الاحتلال ويقبل به وهم الأقلية، وقد حصل هؤلاء مقابل خيانتهم لبلادهم والتخلي عن السيادة على امتياز يتمثل بسلطات نافذة في الحفاظ على ديانتهم اليهودية من خلال مجلس "السانهدرين" (Rabbis Council) برئاسة الحاخام الأكبر في القدس، وهو المجلس الذي حاكم الناصري يسوع كمرتد عن اليهودية وحكم عليه بالموت. هذا المجلس الذي إدّعى تمثيل اليهودية بأصولها إنما مثّل حقاً خونة البلاد المناصرين لروما الذين طلبوا من بيلاطس البنطي حاكم القدس الروماني إعدام يسوع لأن ملكهم هو القيصر وليس يسوع بما يدعي. في الحقيقة لم يكن حكمهم على يسوع بالموت بسبب ارتداده عن اليهودية أو التحريف بها بل لأنه ناصري معادٍ لروما ويناضل من أجل استقلال يهودا. كل اليهود في شرق المتوسط تنصّروا اقتداءً بيسوع ورفضاً للإحتلال الروماني باستثناء السانهدرين وبطانته الذين وقفوا متعاونين مع الإحتلال تحت راية كاذبة هي الدفاع عن نقاء الديانة اليهودية. وهكذا انقسم سكان شرق المتوسط، حين كان قلب العالم، إلى يهود نصارى وطنيين معادين للإحتلال الروماني وهم الأغلبية وإلى يهود، أعداء النصارى، متحالفين مع الاحتلال وهم الأقلية. من هناك تحديداً وُصم اليهود بالخيانة وتم تكريس خيانة اليهود تاريخياً من خلال أحداث رواية صلب يسوع المسيح. بعد أن عمّت النصرانية بين اليهود وظف الاحتلال الروماني أحد ضباط عساكره شاؤول (بولص الرسول) من أجل حرف النصرانية إلى المسيحية كدين صرف متصالح مع روما ولا علاقة له بأمور الدنيا فنجح في ذلك أيما نجاح وكتبت أناجيل المسيحية بهذه الروح ونفث ذلك الضابط الروماني حقد الرومان على اليهود وجعل صلب يسوع بحكم من مجلس الحاخامات اليهود، السانهدرين، وحده دون موافقة الرومان. تحول أغلب النصارى إلى المسيحية البولصية بحكم ملاحقة الرومان للنصارى وقتلهم بمثل ما كان قيصرهم نيرون يلقي بالنصارى إلى الأسود الجائعة، لكن سخطهم زاد على اليهود الخونة وقد ألقى بولص بذنب صلب يسوع على اليهود وحدهم دون الرومان بحجة أن حاكم القدس الروماني بيلاطس البنطي " غسل يديه من دم ذلك الصدّيق ".
لم يتحول النساطرة من النصرانية إلى المسيحية البولصيه منتصرين لمبدأ بطريرك القسطنطينية نسطوريوس (Nestorius) وقد كفّرته الكنيسة لإنكاره ألوهية يسوع، فطاردتهم روما وشتتتهم في أمصار عديدة منها العراق وإيران والحجاز. وجاء الإسلام امتداداً للدعوى النسطورية فكان الكاهن النصراني النسطوري ورقة بن نوفل هو أول من رسم محمداً نبيّاً نسطورياً قبل أن يكون نبيّاً للإسلام.

في العالم المسيحي الأرثوذوكسي بلغت كراهية اليهود حداً سمح بإبادتهم دون عقاب وهو ما عرف ب (البوغروم/ Pogrom) وقد تم إبادة عشرات الآلاف منهم في أوديسا وفي وارسو وفي خاركوف وكيشينيف ورومانيا وغيرها. أما في العالم البروتستانتي فلم تكن كراهية اليهود بمثل هذا حيث التسامح الديني يطبع البروتستانية والأنجليكانية بصورة عامة باستثناء ألمانيا وقد اشتد فيما بعد بسبب موقف يهود الولايات ىالمتحدة في الحرب العالمية الأولى حيث أمدوا انجلترا بالأموال وهو ما ساعدها على الإنتصار على ألمانيا بعد أن وصل البلدان حد الإفلاس لعجز أي من الطرفين إنهاء الحرب لصالحة بسبب العجز المالي. أما في العالم الكاثوليكي مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا فكانت كراهية اليهود بين بين، أقل منها في العالم الأرثوذوكسي وأكثر منها في العالم البروتستاني. لكن المسيحيين بالإجمال ظلوا يتعلمون في مدارسهم باستمرار أن اليهود هم الذين قتلوا مسيحهم بعد أن أكدوا استعدادهم أنهم وأبناءهم من بعدهم سيتحملون وزر دمه. لذلك ظل المسيحيون يكرهون اليهود ويصمونهم بالخيانة.

في العام 1894 حدثت فضيحة سياسية شهيرة بدأت بتقديم ضابط فرنسي يهودي من الألزاس هو ألفريد درايفوس (Alfred Dryfus) من سلاح المدفعية الفرنسي إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى والتجسس لصالح ألمانيا. صدر حكم ملفق على الضابط وهو السجن المؤبد في جزيرة " الشيطان " في أقاصي الإطلنطي. المحامي وكيل درايفوس أكد للرأي العام أن موكله بريء من التهمة المسندة إليه وأن الحكم لم يكن إلا بدافع الكراهية لليهود. هذا الأمر دفع الكاتب الفرنسي الكبير إميل زولا إلى تبني القضية مما دفع بالرأي العام في فرنسا إلى الضغط على السلطات لأجل إعاد التحقيق في القضية من قبل جهة محايدة وهو ما أدى إلى بطلان التهمة وفسخ الحكم وإعادة درايفوس إلى وظيفته ضابطاً في سلاح المدفعية.

كان الكاتب اليهودي النمساوي والصحفي اللامع ثيودور هيرتسل (Theodore Herzl) مؤسس الحركة الصهيونية من الذين حضروا جميع جلسات محاكمة درايفوس. وكان يصاب بالإحباط والخيبة كلما خرج من المحكمة ورأى الجماهير محتشدة تهتف بغضب " الموت لليهود الخونة !! " . كان ثيودور هيرتس مهموماً بالمسألة اليهودية، وكان يرى أن لا حلّ للمسألة اليهودية إلا بتحوّل اليهود من اليهودية إلى المسيحية مخالفاً بذلك الفيلسوف والمؤرخ الألماني برونو باور (Bruno Bauer) الذي أكد أن الدولة المسيحية لم تُحرّر مواطنيها فكيف بها تحرر اليهود !؟ ومخالفاً أيضاً ماركس الذي رأى أن المسألة اليهودية مرتبطة ارتباطاً موارباً بالصراع الطبقي وأضاف إلى تأكيد باور بأن تحرير اليهود لا يتم إلا بإلغاء الدين.
بعد تلك المحاكمة التي كانت تعبيراً حيّاً عن كراهية اليهود وما يوصف ب " اللاسامية "، وصيحات الجماهير المحتشدة خارج المحكمة تطالب بالموت لليهود، ظهر لهيرتسل أن " اللاسامية " هي مسألة ملحة ولازبة لا تنتظر التأخير، وأن الحل الذي يقترحه باور وهو إلغاء الدولة المسيحية أو الحل الذي يقترحه ماركس وهو إلغاء الدين هما حلاّن بعيدان في مجرى التاريخ كما أن الحل الذي كان يقترحه هو نفسه وهو تحول اليهود إلى المسيحية إنما هو خارج باور وماركس فلا هو يلغي الدولة المسيحية، كما لا يلغي الدين، بل بالعكس تماماً فهو يؤكدهما.
إذّاك رأى هيرتسل أن يداوي الداء بالتي كانت هي الداء، أن يداوي الخيانة التاريخية ليهود السانهدرين الذين خانوا بلادهم وانتصروا للاحتلال الروماني وأخذوا على عاتقهم صلب يسوع الناصري المقاوم للإحتلال، أن يداوي تلك الخيانة بخيانة تاريخية أخرى وهي الصهيونية. ففي العام 1896 نشر هيرتسل كتابه الشهير " الدولة اليهودية " وفيه يقترح أن لا يواجه اليهود قضيتهم في بلادهم وينخرطوا في النضال مع شعوبهم من أجل إلغاء الدولة المسيحية كما يقترح باور أو إلغاء الدين كما يرى ماركس، بل ليخونوا شعوبهم ويهربوا إلى دولة تقام خصيصاً كملجأ لهم. ولا ينسى هيرتسل أن يذكر فلسطين في كتابه حيث أقترف اليهود الخيانة الأصلية فيقول .. " لن ينسى اليهود فلسطين ". الصهيونية التي دعا إليها هيرتسل في كتابه "الدولة اليهودية" لم تكن خيانة لشعوب أوروبا المناضلة من أجل التحرر من دولة القمع والإرهاب، ولم تكن خيانة للشعب الفلسطين بتجريده من أرضه وبلاده، بل خيانة أيضاً لليهود أنفسهم حيث يترتب عليهم أن يضحوا بأموالهم وبرجالهم باستمرار ودون توقف من أجل تحقيق الدولة الصهيونية والحفاظ عليها في محيط معاد لا يقبلها ولا يتصالح معها وهو واقع الحال كما هو اليوم بعد قرن طويل.

الحقائق التي يقفز عنها هيرتسل ليقترح "الصهيونية" حلاً للمسألة اليهودية هي أن اليهود في روسيا وأوكرانيا وبولندا كما في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا ليسوا ساميين أصلاً ليُدعى باللاسامية ضدهم، إنهم من شعوب بلادهم دماً ولغةً وثقافة وما التمييز ضدهم بغير الدين الذي اعتنقه أجدادهم عندما كانت اليهودية ديناً عالمياً زمن الإغريق. ومن جهة أخرى فإن أحداً لم يطرد اليهود من فلسطين فالعرب والأتراك المسلمون الذين حكموا الشرق الأوسط منذ القرن السابع الميلادي كانوا يعتبرون اليهود من الذميين أي سلامتهم وممارستهم لشعائرهم الدينية هي في ذمة المسلمين ولا يجوز التفريط بها. فمثلاً عندما استسلم بطريرك القدس المسيحي صفرونيوس إلى الخليفة عمر بن الخطاب اشترط ألا يسمح عمر بأن يسكن اليهود في القدس وهو ما يعني أن خليفة المسلمين كان سيسمح بسكن اليهود في القدس. ومن جهة أخرى فإن يهود فلسطين كانوا قد تنصّروا مثلما تنصر بطرس ويسوع ضد روما بالرغم من الأحكام الجائرة والإعدامات التي كان يحكم بها الحاخامات في مجلس السانهدرين. من لم يتنصر من اليهود هم من ظلوا محافظين على ولائهم لروما فتم وصمهم تاريخياً بالخيانة وظلوا حيث هم قبل توالي موجات الهجرة الصهيونية إلى فلسطين.

أُستقبل كتاب هيرتسل "الدولة اليهودية" في أوروبا استقبالاً استثنائياً. فاليهود وقد " سئموا العيش في ظل الآخرين "، كما يلخص البروفيسور لايبوفتش الصهيونية، بات لهم توق كبير ليحيوا حياة حرة تكرس سيادتهم وخاصة أولئك اليهود الذين عانوا من عنت الاضطهاد الإجرامي في شرق أوروبا الأرثوذوكسي؛ كما الأوروبيون غير اليهود وقد كرهوا اليهود ومسلكياتهم الخاصة بهم فبات لديهم الرغبة العارمة بألا يساكنوا اليهود في بلادهم. في ظل مثل ذلك الحماس الذي استقبل به كتابه المؤسس لدعوى الصهيونية بدأ هيرتسل نشاطه السياسي لتحقيق صهيونيته المنشودة وهي إقامة وطن " قومي !! " لليهود في فلسطين فدعا إلى عقد أول مؤتمر لليهود في بازل/سويسرا 1897 وهو المؤتمر الذي أسس فعلياً المنظمة الصهيونية العالمية (World Zionist Organization) وقرر تشجيع الهجرة إلى إسرائيل وخاصة المزارعين والحرفيين وانتخب المؤتمرون هيرتسل نفسه رئيساً للمؤتمر.
الدعوى القومية هي من إرهاصات تطور المجتمع الرأسمالي تحديداً وإغلاق الحدود الجمركية حول الحدود الوطنية. دعوى الصهيونية لا تمتلك شرطاً من شروط القومية. فاليهود المدعوون للهجرة إلى فلسطين لا يربط بينهم دم أو لغة أو السعي لإقامة مجتمع رأسمالي، بل العكس كان، فكان التوق العام للمهاجرين هو الحياة الاشتراكية كما في الكيبوتسات. لم يكن من رابط مشترك يجمع المهاجرين إلى فلسطين سوى معاناة الذل وبعض الأفكار الدينية لبعض القليل منهم إذ أن جميع زعماء الحركة الصهيونية كانوا من الملحدين وأول من استعد لأن يتخلى عن يهوديته هو مؤسس الحركة الصهيونية نفسه ثيودور هيرتسل. وهنا يقوم السؤال الكبير وهو.. كيف للإذلاء أن يبنوا دولة؟ دولة لا تقوم على أي قاعدة مادية سوى رفض الذل ومبدأ .." سئمنا الحياة في ظل الآخرين " !؟ ـ هذا لا يبني دولة بالطبع.
كرئيس للمؤتمر الصهيوني باشر هيرتسل اتصالاته برؤساء الدول المؤثرة وجهد كثيراً للاتصال بالسلطان عبد الحميد وقد وسط لذلك الامبراطور الألماني لكن السلطان رفض مقابلته ورفض الرشاوى المعروضة ومنها خمسة ملايين ليرة ذهب مقابل صحراء سيناء فقط. وفي العام 1902 قابل هيرتسل وزير المستعمرات البريطاني تشيمبرلن الذي أقنعه باستحالة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين خصوصاً طالما أن السلطنة العثمانية المسلمة تبسط سلطانها على كل الشرق الأوسط. إذّاك توقف هيرتسل عن المناداة بإقامة وطن قومي في فلسطين ودعى ليكون الوطن في أوغندا كما اقترح عليه تشيمبرلن أو بعيداً في الأرجنتين. تحولُ هيرتسل عن فلسطين لقي معارضة شديدة من قبل اليهود من شرق أوروبا وكان لهم أثر نافذ في المؤتمر الأمر الذي انعكس على هيرتسل بالإحباط الشديد والاستقالة من رئاسة المؤتمر وقيل أن ذلك تسبب في مرضه ثم في وفاته في العام 1904.

كان هيرتسل قد عرض على تشيمبرلن وزير المستعمرات البريطاني عندما التقاه في العام 1902 بأن اليهود في فلسطين سيقومون بوظائف الجيوش البريطانية في شرق المتوسط ويؤمنون لبريطانيا الطريق إلى الهند وقناة السويس، أي أن اليهود في فلسطين سيخدمون الاستعمار كما الاستعمار نفسه. أعاد رئيس المؤتمر الصهيوني حاييم فايتسمان نفس التعهد الخياني في مذكرته إلى وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور في العام 1917 وبناء عليه صدر تعهد الحكومة البريطانية بالتعاطف مع إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وبعيداً عن تعهدات هيرتسل وفايتسمان فإن حروب إسرائيل في المنطقة إنما كانت لحراسة مصالح الامبريالية ضد شعوب المنطقة وتطورها السياسي والاقتصادي؛ وقد شهد بذلك أرييل شارون فأثناء عودته من لبنان للتحقيق معه في جريمة صبرا وشاتيلا سأله أحد الصحفيين عن تهديد الرئيس الأميركي بحجب القرض المطلوب لإسرائيل وقيمته 10 مليارات دولار فرد مستنكرا .. إذا كانت أميركا تقدم لنا الأموال فنحن نقدم لها ما هو أغلى، لقد قدمنا دماءنا دفاعاً عن المصالح الأميركية. وزير الدفاع في إسرائيل ورئيس الوزراء فيما بعد أرييل شارون يعترف بأن إسرائيل تقوم بدور خياني لشعوب المنطقة. العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر 1956 بدأته اسرائيل بأمر من بريطانيا وفرنسا كما افتضحت أموره فيما بعد. وعدوان إسرائيل على لبنان في حزيران يونيو 1982 كان بأمر من الولايات المتحدة حيث صرح وزير خارجية أميركا ألكسندر هيغ قبل أيام قليلة من العدوان بالقول .. لقد قرع جرس الشرق الأوسط !!

بدأ اليهود بخيانة مواطنيهم في فلسطين عندما ناصروا الرومان في احتلالهم لفلسطين واقترفوا جرائم تقتيل النصارى المطالبين بالاستقلال وأولهم يسوع النصارى. وقبل بداية القرن العشرين اتفقوا على خيانة شعوبهم الأوروبية والهروب إلى بلاد أخرى تاركين شعوبهم تتعرض للقمع والطغيان من قبل دول رجعية وبورجوازية. وانتهوا إلى خيانة شعوب المنطقة العربية بالقيام بوظيفة كلب الحراسة للإمبريالية. ولا يجوز الإنتهاء من الحديث في خيانة الصهيونية دون التوقف عند حديث لينين عن حزب الاشتراكيين اليهود (البوند) إذ قال في نقده للمسألة القومية في العام 1913 ..
" كل من يرفع شعار الثقافة القومية لليهود فهو بغض النظر عن نواياه الطيبة، كما قد يعتقد، إنما هو عدو للبروليتاريا ومناصر لحياة الغيتوات اليهودية، وهو بالتالي متآمر مع الحاخامات ومع البورجوازية " ـ هم خونة لمجرد تأسيس ثقافة خاصة فما بالك بدولة خاصة !؟
وأخيراً لن يتحرر اليهود تاريخياً إلا مع تحرر الفلسطينيين وانضمامهم إلى البروليتاريا العالمية في النضال من أجل إلغاء الدولة المسيحية وغير المسيحية وإلغاء الدين فلا يعود يسوع وحده هو نصير الفقراء ومخلصهم.

الاشتراكية العلمية والاشتراكية

الرفيق حسقيل قوجمان

قرات في الحوار المتمدن بعض المقالات التي تناقش مقال يعقوب ابراهامي المعنون "خرافة الاشتراكية العلمية". ولا اعرف كيف خرف يعقوب ابراهامي واعتبر الاشتراكية العلمية خرافة. فهو يعرف ان الاشتراكية العلمية اسم مرادف للماركسية وهو يعتبر نفسه ماركسيا وهذا يعني انه يعتنق خرافة. لا اناقش في هذا المقال خرافة او عدم خرافة الاشتراكية العلمية اي الماركسية لانه نقاش سخيف وانما اناقش بعض الابهام الذي ورد في الردود على مقاله.
اشعر ان هناك بعض الابهام في فهم الفرق بين مصطلحين، مصطلح الاشتراكية العلمية ومصطلح الاشتراكية. فمصطلح الاشتراكية العلمية يختلف عن مصطلح الاشتراكية اختلافا جوهريا. وهناك في الكتابة عنهما في هذه الردود خلط بين المصطلحين مما يؤدي الى بعض الغموض والابهام.
من المعروف ان الكتاب عن الماركسية، الاشتراكية العلمية، يعتبرون انها تتألف من ثلاثة اركان، المادية الديالكتيكية والاقتصاد السياسي والاشتراكية. وهذا يعني ان الاشتراكية ركن من اركان الاشتراكية العلمية. الاشتراكية العلمية نظرية، النظرية الماركسية، الاسم الذي اطلقه انجلز على الاشتراكية العلمية. والنظريات هي افكار انسانية يمكن ان تكون علمية وغير علمية. يمكن ان تكون مثالية، طوباوية، وحتى نازية بل حتى خرافية وما اكثر الخرافات في تاريخ الفكر الانساني. ولكن ماركس وانجلز اعتبرا الماركسية، الاشتراكية العلمية، نظرية علمية وعلى هذا الاساس اطلقا عليها اسم الاشتراكية العلمية قبل ان يطلق عليها انجلز اسم الماركسية تخليدا لاسم العالم الذي اكتشفها. وتركت ليعقوب ابراهامي العنان لضرب اخماس باسداس بهذا الصدد. فتارة يعلن انه لم يسمع بمصطلح الاشتراكية العلمية وتارة يعلن ان ماركس لم يطلق على نظريته اي اسم وتارة ان ماركس لم يذكر الاشتراكية العلمية في كل مؤلفاته والان يعتبر الاشتراكية العلمية خرافة ولا ادري الى اين سيصل في تفسيراته وتقديراته للاشتراكية العلمية بدون ان يفكر ولو مرة في البحث عن اصل الاشتراكية العلمية ومتى اطلق عليها ماركس اسم الاشتراكية العلمية ولماذا.
انا لم اجب يعقوب ابراهامي على تساؤلاته حول هذا الموضوع حيث يطلب من غيره ان يبحث عن المصدر والكتاب والصفحة وكل التفاصيل بدون ان يفكر هو بان يتوصل الى قراراته بعد البحث بنفسه عن ذلك. فهو يتخذ قراراته كانه قرأ كل حرف من حروف كتابات ماركس ولو انه بتواضعه المألوف يعترف بانه لم يقرأ جميع مؤلفات كارل ماركس وكأن هناك الكثير ممن قرأوا كل مؤلفات كارل ماركس. لم اجب يعقوب ابراهامي على ذلك لاني قرات عن ذلك سنة ١٩٥١ في سجن نقرة السلمان وليس لدي المصدر اليوم لكي اشير الى موضعه وتفاصيله والصفحة والسطر. والحقيقة على ما اتذكر هي ان ماركس وانجلز وضعا اسم الاشتراكية العلمية على نظريتهما او ناقشاها في احد اوائل الاعمال المشتركة بينهما، في كتاب الايديولوجيا الالمانية الذي كتباه قبل البيان الشيوعي والذي لم يشأ يعقوب قراءته في ذلك الحين. هناك يشرحان لماذا اطلقا على نظريتهما اسم الاشتراكية العلمية تمييزا لها عن النظريات الاشتراكية الكثيرة التي انتشرت في ايامهما خصوصا في المانيا مع مناقشة العديد من تلك الاشتراكيات.
الاشتراكية العلمية هي الماركسية كما نعرفها الان والتي تتألف من اركانها المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية والاقتصاد السياسي والاشتراكية. وليس موضوع هذا المقال شرح الماركسية، الاشتراكية العلمية، وانما موضوع هذا المقال هو شرح الفرق بين مصطلح الاشتراكية العلمية ومصطلح الاشتراكية. لا اجد حاجة الى مناقشة الاشتراكية العلمية باعتبارها النظرية الماركسية. فالاشتراكية العلمية اي الماركسية نظرية لها اركانها ويحق لكل انسان ان يحدد موقفه منها فيعتبرها علما او يعتبر انها ليست علما بل حتى ان يعتبرها خرافة. ولا يمكن تعداد الاراء التي نشأت حول النظرية الماركسية، الاشتراكية العلمية، منذ ظهورها حتى اليوم والتي ما زالت تنشا نظرا للحاجة الى دحضها وتفنيدها وحتى الى اعتبارها خرافة طالما بقيت في الوجود طبقات اجتماعية تتناقض مصالحها وهذه النظرية.
اقصد في هذا المقال ان اناقش مصطلح الاشتراكية الذي يشكل احد اركان الماركسية، الاشتراكية العلمية، الثلاثة. فمصطلح الاشتراكية يختلف عن مصطلح الاشتراكية العلمية. الاشتراكية العلمية هي نظرية كما راينا ولكن الاشتراكية ليست نظرية. الاشتراكية نظام اجتماعي سياسي اقتصادي فكري اخلاقي وكل خصائص المجتمعات البشرية المختلفة.
الاشتراكية نظام اجتماعي اهم خصائصه هو ان تصبح فيه الطبقة العاملة طبقة حاكمة بعد الاطاحة بالطبقة الراسمالية بثورتها الاشتراكية. نظام اجتماعي يحول الملكية الخاصة لوسائل الانتاج والانتاج الى ملكية عامة للمجتمع. ويمكننا ان نطلع على خصائص الاشتراكية، النظام الاشتراكي، بتتبع خصائص المجتمع الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي حتى وفاة ستالين.
النظام الاشتراكي هو المرحلة الاولى من المجتمع الشيوعي، هدف الانسانية. والنظام الاشتراكي يختلف عن النظام الشيوعي، المرحلة الثانية من مراحل المجتمع الشيوعي. وقد شرح كارل ماركس معالم النظام الاشتراكي نظريا في نقد برنامج غوتا شرحا رائعا وطبقه الحزب البولشفي تطبيقا يمكن اعتباره تحقيقا للمجتمع الاشتراكي الذي جاء وصفه في هذا النقد.
لماذا انقسم المجتمع الشيوعي الى مرحلتين، المرحلة الاشتراكية والمرحلة الشيوعية؟ الانقسام الى هاتين المرحلتين جاء بسبب الاختلاف بينهما. ثمة اختلافات جوهرية بين المرحلة الاولى من الشيوعية والمرحلة الثانية من الشيوعية. وبينما يمكن تسمية النظريات الاشتراكية اشتراكية علمية او اشتراكية لا علمية، لا يمكن تسمية النظام الاشتراكي اشتراكية علمية او لا علمية. النظام الاشتراكي نظام اجتماعي وليس في الوجود نظام علمي او نظام لا علمي. الحال كما هو الحال في كافة الانظمة الطبقية، فلا يمكننا ان نميز الراسمالية مثلا الى راسمالية علمية وراسمالية لا علمية ويصدق ذلك على النظام الاجتماعي الاشتراكي.
ما هو الفرق بين المرحلة الاولى من الشيوعية، المرحلة الاشتراكية، والمرحلة الثانية، المرحلة الشيوعية؟ يمكن تلخيص ذلك بعبارة بسيطة واحدة هي ان في المرحلة الاولى، المرحلة الاشتراكية، توجد بالضرورة بقايا من المجتمع الراسمالي الذي نشأت منه. اما في المرحلة الثانية، المرحلة الشيوعية، فلا تبقى اية بقايا باي شكل من الاشكال من النظام الراسمالي الذي نشأت الاشتراكية منه.
ان النظام الاجتماعي الاشتراكي، المجتمع الاشتراكي، لم ينزل جاهزا من السماء بل نشأ من نظام راسمالي متطور. لذلك يكون الحكم الاشتراكي في بدايته مجتمعا راسماليا بكل صفاته وعلى الحكومة الاشتراكية، حكومة الطبقة العاملة، ان تحوله تدريجيا الى مجتمع اشتراكي لانها لا تستطيع بقدرة ساحر ان تحوله الى مجتمع اشتراكي على الفور.
اهم صفة من صفات المجتمع الاشتراكي التي يرثها من المجتمع الراسمالي هي الدولة. فالمجتمع الاشتراكي سواء في بدايته فور تحرره من النظام الراسمالي ام بعد تطوره تطورا كاملا هو مجتمع طبقي. هو مجتمع تحولت فيه الطبقة العاملة المحكومة من قبل الطبقة الراسمالية الى طبقة حاكمة اطاحت بالحكومة الراسمالية. المجتمع الاشتراكي مجتمع طبقي لانه يضم طبقات ومراتب اشتراكية مختلفة، العمال والفلاحين والمثقفين والعلماء وغيرهم. ولكنه كذلك مجتمع طبقي نظرا لوجود بقايا من الطبقة الراسمالية. فالطبقة الراسمالية زالت باعتبارها سلطة ولكن بقيت باشخاصها وصراعاتها تهدد النظام الاشتراكي طيلة المرحلة الاشتراكية وبقيت عناصر حتى في قيادة الحزب الشيوعي تريد اعادتها كطبقة حاكمة. فالصراع الطبقي ما زال محتدما بين الطبقتين، الطبقة العاملة الحاكمة تعمل على تحطيم كل محاولات الطبقة الراسمالية لاستعادة سيطرتها وتناضل الطبقة الراسمالية ببقاياها وعملائها الى استعادة نظامها الراسمالي الذي فقدته. ان الاشتراكية نقض للنظام الراسمالي ولا تنتهي الا عند تحقيق نقض النقض، نقض الاشتراكية، وتحقيق الشيوعية. فالشيوعية بخلاف الاشتراكية نظام لا طبقي.
ان وجود هذا الصراع الطبقي يحتم على الاشتراكية اقتباس الدولة من النظم السابقة. الدولة في المرحلة الاشتراكية ضرورة حتمية لا يمكن للنظام الاشتراكي ان يحتفظ بنظامه الاجتماعي الجديد بدونها، وشكلها هو دكتاتورية البروليتاريا التي تشكل اشد انواع الدكتاتورية ضد بقايا المجتمع الراسمالي بكل اشكالها وتحقيق اوسع اشكال الديمقراطية للطبقة العاملة والكادحين. ولدى انتهاء هذا الصراع يجري نقض الاشتراكية الى الشيوعية حيث لا يبقى المجتمع مجتمعا طبقيا ولذلك لا تبقى حاجة الى الدولة. وقد بين ستالين انه حتى في حالة بلوغ المجتمع الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي الى التحول الى مرحلة المجتمع الشيوعي مع بقاء احاطة راسمالية فحينئد تبقى الدولة لمهمة الدفاع عن المجتمع الشيوعي وليس كاداة للصراع الطبقي.
احد الاختلافات بين المجتمع الاشتراكي والمجتمع الشيوعي هو وجود نقص في المواد الاستهلاكية. فليس في المجتمع الاشتراكي الناضج التطور من المواد الاستهلاكية ما يؤهله بان يقدم منها لكل انسان حسب حاجته. ومن صفات المجتمع الشيوعي وجود هذه المواد بما يكفي لحصول كل انسان في المجتمع على ما يحتاجه منها اضافة الى كل الحاجات الاخرى. ووجود هذا النقص يحتم على المجتمع الاشتراكي ان يجد طريقة اخرى لتوزيع المواد الاستهلاكية فلم يجد خيرا من شكل الاجور يرثها من المجتمع الراسمالي. ولكن الاجور في النظام الاشتراكي تتشابه مع نظام الاجور في النظام الراسمالي شكليا فقط اذ في المجتمع الاشتراكي لا تعني الاجور سوى طريقة لتوزيع المواد الاستهلاكية التي لا توجد بكميات كافية لاعطاء كل فرد ما يحتاجه منها. ووجد قادة بناء المجتمع الاشتراكي ان خير وسيلة لتنظيم توزيع المواد الاستهلاكية هي اتخاذ العمل مقياسا للتوزيع اي "من كل حسب طاقته ولكل حسب عمله". وهذا كما نعلم شعار الاشتراكية.
وتحقيق التحول من مرحلة الاشتراكية الى المرحلة الشيوعية يتضمن اشياء اخرى كثيرة لا يمكن في مقال كهذا تفصيلها مثل انهاء بقايا الانتاج السلعي وما يرافقه من استخدام النقود الذي يرثه النظام الاشتراكي من النظام الراسمالي. وتحقيق انهاء التناقض بين العمل الزراعي والعمل الصناعي وبين الفرق بين العمل الفكري والعمل الجسمي واهم من كلها القضاء على النفسيات البتي برجوازية التي يعاني منها كل افراد المجتمع بصرف النظر عن تكوينهم الطبقي. كل ذلك يجب ان يتحقق من اجل تحقيق نقض النقض، نقض النظام الاشتراكي الذي كان بدوره نقضا للمجتمع الراسمالي.
بحث ستالين في اخر مؤلفاته المعروفة جميع هذه الامور وغيرها الكثير وانا اعتبر هذا الكراس العظيم، كراس المشاكل الاقتصادية للنظام الاشتراكي، اعظم وثيقة ماركسية صدرت بعد الحرب العالمية الثانية. قرأت هذا الكراس مرات عديدة وترجمته الى العربية قبل ان يعلمني يعقوب ابراهامي الترجمة. ولكي استوعبه كنت اكتب ملاحظات لكي اشرح لنفسي فيها هذه القوانين الكثيرة والمواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية وشروط تحول المجتمع الاشتراكي السوفييتي القائم الى مجتمع شيوعي وجمعت هذه الشروح في كراس بعنوان Stalin as I understood him لدي نسخ منه ارسل نسخة لكل قارئ يرغب في قراءته على ان يتحمل اجور البريد.
بما ان الاشتراكية العلمية، الماركسية، نظرية فان النقاش حولها بدوره يجب ان يتخذ طابعا نظريا. هل هناك قوانين طبيعية؟ هل تسري القوانين الديالكتيكية على الطبيعة كما تسري على المجتمع؟ هل هناك قوانين ديالكتيكية الخ... الى لا نهاية.
وتجري مناقشة الاشتراكية، النظام الاجتماعي الاشتراكي، مناقشة واقعية غير نظرية. هل ثورة اكتوبر ثورة اشتراكية ام ليست ثورة اشتراكية؟ هل تحقق في الاتحاد السوفييتي مجتع اشتراكي ام لم يتحقق؟ هل الدولة ضرورية في الاشتراكية ام يجب الغاؤها منذ البداية؟ هل يجب ابقاء نظام الاجور ام هو استغلال قوة عمل العمال كما هو الحال في النظام الراسمالي؟ هل ينبغي التركيز على الصناعة الثقيلة كما جرى في الاتحاد السوفييتي ام كان ذلك من اخطاء ستالين؟ هل كان من الضروري ابقاء المصانع غير المربحة ام لا؟ هل تحقق النظام الاشتراكي في غير الاتحاد السوفييتي كالصين وكوريا وفيتنام ودول اوروبا الشرقية وحاليا في كوبا وفينزويلا الخ الخ...
نرى من كل ما تقدم اعلاه ان مصطلح الاشتراكية العلمية كنظرية ومصطلح الاشتراكية كنظام اجتماعي يختلفان اختلافا جوهريا تاما وان الخلط بينهما يؤدي الى اخطاء في التحليل ظهرت واضحة في التعليقات على مقال يعقوب حول خرافة الاشتراكية العلمية.                                   

معاداة الستالينية هي ثورة ردة

الرفيق حسقيل قوحمان

بقلم لودميلا بوغوريولوفا
ترجمة حسقيل قوجمان
(ملاحظة المترجم: فيما يلي مقتبس من مقابلة صحفية مع غروفر فر (Grover Furr) بروفيسور في جامعة مونتكلير في الولايات المتحدة نشرت في مجلة نورث ستار كومباس الكندية اجرتها معه جريدة "الاوقات الجورجية" اترجمها لقراء العربية اصدقاء الماركسية اللينينية منهم او معاديها لا لاقناعهم بما جاء فيها وانما لكي يعلموا بوجود وانتشار الراي الاخر ويطلعوا عليه. وهذا الاستاذ يبني بحوثه كلها على الارشيف السوفييتي الذي اصبح مفتوحا امام الباحثين والقراء وقد بحث العديد من القضايا التي يتهم بها الاتحاد السوفييتي وستالين خصوصا يستطيع القارئ المهتم الرجوع اليها في الموقع الالكتروني تحت اسمه. وقد صدر له اخيرا باللغة الانجليزية كتابه عن التحقيق في خطاب خروشوف السري العلني الذي القاه في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي الذي نشر باللغة الروسية منذ ٢٠٠٧ ولم ينشر الاصل الانجليزي الا في الاسابيع الماضية.)
كان ستالين تابعا امينا جدا للينين. كان انسانا مبدئي التوجه بصورة قاطعة. الا ان ستالين واولئك الذين ناضلوا وحاربوا معه لم يستطيعوا ان يبنوا مجتمعا شيوعيا نظرا لوجود اعداء خارجيين وداخليين استطاعوا ان يدمروا مؤقتا هذا المستقبل للبشرية.
هذا مقتبس من مقابلة مع البروفيسور في جامعة مونتكلير في الولايات المتحدة الاميركية، د. غروفر فر مع جريدة "الاوقات الجورجية".
س: اخبرنا رجاء عن كيف قررت القيام بدراسة تاريخ الاتحاد السوفييتي؟
ج: ان البحث الموضوعي هو هدفي الاوحد. احاول ان ارى الحقيقة بان استند على الوقائع الحقيقية وتفسيراتها. فبالنسبة لي كاختصاصي في الوقائع التاريخية، تعلمت دائما ان اكون موضوعيا في تحليلاتي وان اتعمق في الوقائع التي تتعلق بالحقيقة التي اتوصل اليها.
لقد فهمت في وقت مبكر جدا كيف لا اجعل مشاعري الشخصية ومفاهيمي تلون الوقائع والحقائق الموضوعية بل ان تفصلها عن صورها الزائفة.
حين كانت الحرب الفيتنامية قائمة، كنت ادرس في الجامعة، وادركت بعد انتهاء الحرب الفيتنامية، ان ما علموني اياه عن الشيوعية والاشتراكية لم يكن موضوعيا بتاتا، وفي اغلب الحالات كان كذبا مطلقا او انصاف حقائق. فلم يكن ذلك سوى مجرد دعاية معادية للشيوعية اطلاقا. اذ لم تكن ثمة براهين او وقائع وانما مجرد دعاية.
خلال ازدهار الحرب الباردة، لم تكن للوقائع عن الحرب العالمية الثانية وعن الشيوعية وعن الاتحاد السوفييتي وستالن اية موضوعية اطلاقا. ورغم انتهاء الحرب الباردة بقيت هذه المشكلة قائمة بصورة دائمة عندنا ويجري تشديدها على الدوام في جميع وسائل الاعلام.
في كتابي الاول "الاكاذيب المعادية لستالين" الصادر سنة ٢٠٠٧ نجحت في البرهنة على ان الاكاذيب ضد ستالين وبريا – الجورجيين – هي مجرد اكاذيب. الان اقوم بالبرهنة بالوثائق المتوفرة حاليا من الارشيفات على ان اللا حقائق المنظمة زيفا هي اعمال اعداء التقدم للبشرية جمعاء.
س: ما هي "معادة الستالينية" وما هي جذورها البدائية؟
ج: لكي نتحدث عن معاداة الستالينية علينا اولا ان نفهم "الستالينية". ولدت هذه التسمية حين ولد اسم اللينينية. كان تروتسكي الذي ادت كراهيته لستالين وما كان يعتقد به هو الذي بدأ يسخر من ستالين وينعته بالستالينية منذ ١٩٢٤. لقد استخدم هذا التعبير لكي يحاول دحر السياسات الواقعية التي اقترحها ستالين واللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي، كما لو كان ستالين مناقضا لسياسات لينين. كانت دعاية تروتسكي ان "ستالين كان دكتاتورا"، معاديا للينين، ويروج عبادة ستالين وغير ذلك من المساوئ. اما الحقيقة فهي ما يلي:
اولا: ستالين لم يكن دكتاتورا بالمرة.
ثانيا: كانت لقادة الحزب في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي مناقشات حرة وموافقات واختلافات.
ثالثا: لم تكن في الاتحاد السوفييتي سيطرة تامة على تعبير الناس عن ارائهم اطلاقا.
رابعا: لم يكن العديد من القادة في ارجاء الاتحاد السوفييتي متفقين دائما مع ستالين، ولكنهم بصفتهم ماركسيين لينينيين خضعوا لحكم الاغلبية.
خامسا: حارب ستالين دائما ضد اية "عبادة" واعتبرها معاداة للينينية، انما اعضاء اللجنة المركزية والناس اعربوا عن حبهم وتأييدهم كما رأوه مناسبا.

نحتاج الى شطف ادمغتنا ٣

الرفيق حسقيل قوجمان

احد المواضيع التي بحثها ستالين في كراسه الاخير كان موضوع حتمية او عدم حتمية الحروب العالمية. من المعروف ان اللينينية اعتبرت ان الحرب العالمية حتمية في عهد النظام الامبريالي. وقد بين لينين ذلك بوضوح في كتابه "الاستعمار اعلى مراحل الراسمالية". فالحرب العالمية ضرورة قصوى في السياسة الامبريالية تحتمها حقيقة انهاء اقتسام العالم بين الدول الامبريالية وتطور الدول الراسمالية تطورا غير متساو وحاجة الدول المتطورة الى اعادة تقسيم العالم لصالحها. وتحتمها محاولة الخروج من الازمات الاقتصادية والمالية المتكررة في النام الراسمالي. ولا يمكن تحقيق اعادة تقسيم العالم الا عن طريق الحروب العالمية. الحرب العالمية ظاهرة حتمية تحققت في الحربين العالميتين الاولى والثانية.
في الحقيقة توصل ستالين الى عدم حتمية الحرب العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وكان احد النصوص الواضحة الصريحة عن ذلك سنة ١٩٥١ حين سأله مراسل برافدا:
هل تعتبر حربا عالمية جديدة حتمية؟
فاجاب: "لا. على الاقل في الحال الحاضرلا يمكن اعتبارها حتمية. " وبعد شرح ضرورة وفائدة الحرب العالمية بالنسبة للدول الامبريالية اضاف: "السلم سيصان ويتعززاذا اخذت الشعوب قضية صيانة السلام بايديها ودافعت عنها حتى النهاية" (من كراس بعنوان يوسف ستالين يجيب على اسئلة مراسل برافدا صادر باللغة الانجليزية في لندن سنة ١٩٥١)
بعد الحرب العالمية الثانية حصلت تغييرات على الاوضاع السياسية والاجتماعية في العالم. ظهر الاتحاد السوفييتي اقوى واشد مما كان عليه قبل الحرب العالمية الثانية التي كان اهم اهدافها القضاء عليه. الى جانب الاتحاد السوفييتي الاشتراكي ظهرت دول عديدة سائرة في طريق بناء المجتمعات الاشتراكية في اوروبا واسيا. ففي البلدان التي حررها الاتحاد السوفييتي من الاحتلال النازي بالاشتراك مع شعوب هذه البلدان في مقاومتها للاحتلال نشأت دول اوروبا الشرقية السائرة بقيادة الطبقة العاملة نحو بناء مجتمعاتها الاشتراكية بمساعدة الاتحاد السوفييتي. ونشأت دول في اسيا تسير في طريق بناء النظام الاشتراكي بعد نضالها المستميت ضد الاحتلال الياباني وضد الدول الامبريالية التي عادت الى احتلالها بعد انسحاب الجيوش اليابانية مثل الفيتنام والصين وكوريا الشمالية ونشأت ثورات متعددة في دول اسيوية اخرى مثل بورما والملايو وسيام وغيرها. وتعاظمت الثورات الوطنية في افريقيا واميركا الجنوبية. ونشأ نتيجة لكل هذه التحولات المعسكر الاشتراكي بجانب معسكر الدول الامبريالية.
ادت هذه التحولات في الانظمة السياسية في العالم الى تغير اوضاع ما قبل الحرب العالمية الثانية من حيث حتمية الحرب العالمية. توصل ستالين الى ان هذه الظروف ادت الى تغير موضوع حتمية الحرب العالمية. توصل الى ان الظروف الجديدة جعلت الحرب العالمية غير حتمية. كان توصله الى ذلك نقضا لنظرية لينين في حتمية الحرب العالمية في العصر الامبريالي ومخالفا لكل كتاباته هو حول هذا الموضوع قبل الحرب العالمية الثانية.
ان قول ستالين في الجواب المشار اليه اعلاه مشروط. فالسلم سيصان اذا اخذت الشعوب قضية السلام بايديها ودافعت عنها حتى النهاية وهذا يعني ان السلم سيتزعزع والحرب العالمية تصبح حتمية اذا لم تأخذ الشعوب قضية السلام بايديها. وهذا الشرط يعني ان صيانة السلام العالمي امكانية توجد الى جانبها امكانية اخرى هي نشوء حتمية الحرب العالمية مجددا.
لم تكن نظرية عدم حتمية الحرب العالمية تعني ان النظام الامبريالي غير طبيعته ولم تعد الحرب العالمية ضرورة حتمية بالنسبة له من اجل اعادة تقسيم العالم ومن اجل التخلص من الازمات الاقتصادية. بل ان الامبريالية اصبحت اشد حاجة الى حرب عالمية تحقق لها اعادة الاستيلاء على الجزء الذي خرج عن سيطرتها واصبح معسكرا اشتراكيا. ولكن عدم حتمية الحرب العالمية تعني ان هناك معسكرا لا يريد الحرب وليست الحرب من طبيعته ولا يتطلب تقدمه وتطوره شن الحروب وليست له ازمات اقتصادية يبتغي حلها عن طريق الحرب. ان عدم حتمية الحرب العالمية تعني ان هذا المعسكر الاشتراكي يصبح من القوة بحيث ان المعسكر الامبريالي يعجز عن شن حرب عليه. هذا هو المعنى الحقيقي لعدم حتمية الحرب العالمية.
على اساس هذه الظروف الجديدة نشأت حركة السلام العالمية. فشعوب الدول الاشتراكية والسائرة في طريق بناء الاشتراكية تتمسك بالسلام حكومات وشعوبا. وشعوب العالم الامبريالي هي الاخرى تريد السلام ولا تريد الحرب ولذلك اندفعت بملايينها الى حركة السلام العالمي.
كانت حركة السلام حركة ضد الحرب ومن اجل السلام ولم تكن مرتبطة بطبقة او مرتبة اجتماعية معينة بل كانت حركة تخص كل انسان يكره الحرب ويحب السلام. ولذلك اصبحت اعظم حركة راي عام منظمة في تاريخ البشرية. حركة منظمة ذات منهاج وقيادة وحركة تجتذب اليها كل انسان يحب السلام مهما كانت اراؤه السياسية والثقافية والاجتماعية والدينية والقومية وايا كان انتماؤه الطبقي. وقد قدمت هذه الحركة ضد انتاج القنابل الذرية الى الامم المتحدة مذكرة من ٦٠٠ مليون توقيع.
هل كان لهذه الحركة اساس نظري؟ ان اساسها النظري هو نظرية ستالين في امكانية التعايش السلمي بين النظام الاشتراكي والنظام الامبريالي. ولكن هل يكفي هذا الاساس وتجمع الشعوب في حركة سلمية كهذه لمنع الدول الامبريالية من شن الحرب التي هي من طبيعتها وهي حتمية من اجل تحقيق مصالحها؟ الحرب العالمية تجري باشد الاسلحة تدميرا فهل تستطيع حركة سلمية ان تصد مثل هذه القوى؟
كانت لحركة السلام قوة عسكرية تسندها وليست مجرد حركة سلمية لا سند لها. كان السند العسكري الذي يساند حركة السلام المعسكر الاشتراكي بكل قواه وفي مقدمته الاتحاد السوفييتي. الاساس السياسي والعسكري هو قرار المعسكر الاشتراكي باعتبار اي عدوان على اية دولة من دول المعسكر الاشتراكي حربا على المعسكر كله. كان على كل دولة او مجموعة دول تريد شن حرب عالمية ان تأخذ هذا القرار بنظر الاعتبار لان اية حرب لا تصبح عالمية ما لم تهاجم المعسكر الاشتراكي. كان عليها ان تحسب الحساب لكونها لدى شن حرب على دولة اشتراكية كان عليها ان تجابه المعسكر كله قبل اقدامها على شن الحرب. وكانت هذه القوة الهائلة في ازدياد دائم نتيجة الثورات الوطنية المتعددة ونجاح المستعمرات واشباه المستعمرات في التغلب على المستعمرين وتحول هذه الدول الوطنية سندا لهذا المعسكر الهائل. يضاف الى ذلك محبو السلام في كافة اقطار الدول الامبريالية التي تريد الحرب ذاتها.
الاساس النظري لكل هذا هو نظرية ستالين في التعايش السلمي. نظرية التعايش السلمي تعني ان الظروف العالمية بعد الحرب العالمية الثانية خلقت امكانية ان يعيش النظام الاشتراكي رغم وجود النظام الامبريالي في تعايش سلمي، اي بدون ان يكون هناك خطر نشوء حرب عالمية جديدة تشنها الدول الامبريالية ضده. والتعايش السلمي هو امكانية تهدف حركة السلام العالمي الى تحقيقها وليست حقيقة قائمة. كلما توسعت حركة السلام العالمي اقترب العالم من تحقيق هذه الامكانية.
لم تكن حركة السلام العالمي حركة اشتراكية او حركة تهدف الى تغيير الانظمة السياسية القائمة. ان الحركات السياسية التي تهدف الى تغيير الانظمة السياسية في الدول الامبريالية او في المستعمرات واشباه المستعمرات تختلف عن حركة السلام العالمي وتختلف قواها وسياساتها وتحالفاتها واساليب نضالها عن حركة السلام العالمي. ولكن كل حركة ثورية كهذه تنتصر تصبح سندا سياسيا وعسكريا واعلاميا لحركة السلام العالمي.
ان هدف حركة السلام العالمي الاستراتيجي هو خلق ظروف عالمية لا تستطيع فيها اية دولة امبريالة او مجموعة دول امبريالية شن حرب عالمية اخرى. ان تحقيق هذا الهدف العظيم لا يعني تخلي الدول الامبريالية عن طبيعتها التي تشكل الحروب جزءا طبيعيا منها. ان تحقيق هذا الهدف لا يعني نزع سلاح هذه الدول الامبريالية. فالحرب هي من طبيعة الدول الامبريالية وتبقى من طبيعتها حتى اخر دولة امبريالية في العالم. قد تستطيع حركة السلام العالمي تحاشي او ابطال حرب محلية معينة بين الدول الامبريالية باسقاط حكومة حربية واستبدالها بحكومة تسلك طريقا اخر لفترة معينة. ولكن حركة السلام العالمي لا تهدف الى الغاء الحروب بل تهدف فقط الى جعل رغبة الدول الامبريالية في اشعال حرب عالمية جديدة غير قابلة للتحقيق.
في صيف ١٩٥٢ في سجن الكوت كانت لنا دورة ثقافية عنوانها التعايش السلمي. حين بينت ان الطبيعة الحربية للدول الامبريالية لا تتغير لدى تحقيق التعايش السلمي سألني احد الحضور قائلا ما معنى ان تقول ان الحرب العالمية تصبح غير ممكنة وتقول ايضا ان الطبيعة الحربية للدول الامبريالية لا تتغير، اليس في هذا تناقض؟ كان بين الحاضرين في الدورة جعفر ابو العيس، بطل العراق لوزنه في رفع الاثقال. وكان في الدورة روبين الذي حاول اثناء الحصار القاء حجر صغير ففصخ كتفه. فسألت هذا السائل ماذا يحدث لو ان روبين قرر معاركة جعفر؟ فاجاب تنكسر يده. فقلت له هذا هو التعايش السلمي. هو ان الدول الامبريالية تتمنى لو انها تستطيع ان تحارب المعسكر الاشتراكي وتحطمه في حرب عالمية جديدة، ولكنها عاجزة عن تحقيق ذلك بدون ان تعرض وجودها ذاته الى الزوال.
التعايش السلمي حسب نظرية ستالين هو امكانية توفرت للبشرية بعد الحرب العالمية الثانية بفضل وجود معسكر اشتراكي محب للسلام ولا تشكل الحروب احدى ضرورات سياسته وتطوره. انه امكانية كان على البشرية ان تناضل من اجل تحقيقها بمساندة هذا المعسكر الجبار والحركات التحررية في المستعمرات واشباه المستعمرات والحركات الثورية التي تحاول اسقاط النظام الامبريالي. انه امكانية ناضلت من اجلها حركة السلام العالمي نضالا فعالا منظما وسارت في طريقه خطوات واسعة عظيمة. ولكن البشرية لم تتوصل الى حالة التعايش السلمي وفقا لمفهومه في هذه النظرية.
لدى استيلاء الطغمة الخروشوفية التحريفية على الحزب والدولة في الاتحاد السوفييتي غيرت كل المفاهيم الثورية الى مفاهيم تحريفية ومن جملتها التعايش السلمي. اعتبر خروشوف نفسه الماركسي المبدع الذي اكتشف نظرية التعايش السلمي وحول مفهوم التعايش السلمي الى وجود السلام وعدم وجود الحرب. فبموجب هذا التعايش السلمي كان العالم بين الحربين العالميتين يعيش تعايشا سلميا اذ لم تكن هنالك حرب عالمية ساخنة بين الدول الامبريالية. وكان العالم يعيش تعايشا سلميا طوال الحرب الباردة التي نشأت قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية يوم القاء القنابل الذرية على هيروشيما وناكازاكي. وحول الخروشوفيون حركة السلام العالمي من حركة تأخذ فيها الشعوب قضية السلام بايديها الى ملحق للمفاوضات حول نزع السلاح التي كان هدفها الحقيقي وما زال ستر حمى سباق التسلح في العالم حتى يومنا هذا. واعتبروا نهاية الحرب الفيتنامية مثلا برهانا على التعايش السلمي. رفعوا شعار عالم بدون سلاح حين كان العالم الامبريالي بمن فيه الاتحاد السوفييتي الخروشوفي غارقا في سباق هائل للتسلح تخلصا من تفاقم الازمات الاقتصادية والازمة العامة للنظام الراسمالي. ولا اريد ان اطيل على القارئ في بحث هذه الفترة بحثا مفصلا. وقد بحثتها في مقال طويل بعنوان "التعايش السلمي من ستالين الى خروشوف" قبل عقود وهو موجود في موقعي في الحوار المتمدن يستطيع القارئ الراغب قراءته.
ان تحويل الاتحاد السوفييتي من مجتمع اشتراكي سائر سيرا وطيدا نحو تحقيق المجتمع الشيوعي الى دولة راسمالية متسترة وراء هراء ماركسي ولينيني وماركسية خلاقة وبيريسترويكا وغلاسنوست هدفها الاستراتيجي اعادة الراسمالية الى الاتحاد السوفييتي ادى الى الظروف العالمية التي يعيشها العالم اليوم في ظروف الحرب العالمية التي اعلنتها الامبريالية الاميركية منذ ٢٠٠١ وما زالت قائمة، حرب عالمية تختلف عن سابقاتها بكونها حربا بين اقوى دولة مسلحة عرفها التاريخ حتى الان وبين عدو لا دولة له، لا جيش له، لا هوية له، لاتعريف له، اسمه الارهاب.
ان هذا التحول الذي جرى في الاتحاد السوفييتي تحت قيادة الخروشوفيين يرينا عظم الكارثة التي قادوا شعوب العالم اليها وهول الجريمة التي اقترفوها بحق الانسانية جمعاء.

تفسخ القيادة الثورية في جنوب افريقيا ما بعد الابارتهايد

الرفيق حسقيل قوجمان

تفسخ القيادة الثورية في جنوب افريقيا ما بعد الابارتهايد
اجرى خويزي كادالي مدير مدرسة العمال الماركسية في افريقيا الجنوبية بدعوة من الحزب الشيوعي الماركسي اللينيني في بريطانيا جولة خطابات في عدة مدن بريطانية في شباط نشرت مجلة نورثستار كومباس في عددها الاخير تلخيصا طويلا من هذه الخطابات اترجم جزءا منه تحت العنوان التالي:
من ثوريين الى اصلاحيين
خلال سنوات الابارتهايد حكمت الطبقة الراسمالية التي امتلكت وسائل الانتاج في جنوب افريقيا بواسطة دولة الابارتهايد الفاشية، حكمت بالقوة الوحشية. كان الاستغلال المباشر الصريح والتعذيب والقتل والاعتقالات العشوائية والارهاب الجماعي لمجموع السكان السود الحالة السائدة في استغلال العمل الاسود الرخيص، ليس من اجل اغناء الطبقة الراسمالية البيضاء وحسب بل من اجل الفوائد المالية لكافة السكان البيض.
بعد سنة ۱۹٩٤، حين دحر النضال الوطني التحرري الابارتهايد، اصبح التناقض الرئيس في افريقيا الجنوبية التناقض بين الطبقة الراسمالية الحاكمة والطبقة العاملة، بدأت الطبقة الراسمالية تحكم عن طريق الديمقراطية البرجوازية، نفس شكل الحكم الذي وصفه ماركس وانجلز في البيان الشيوعي بانه الدكتاتورية البرجوازية.
بالتزامن مع هذا التحول، تحول حزب المؤتمر الوطني الافريقي، حركتنا التحررية السابقة على مر السنين ايديولوجيا الى حزب اشتراكي ديمقراطي.
لقد اصبحت الانتهازية القوة المادية لدى القيادة. في الواقع قد تفسخت كامل قيادة المؤتمر الوطني الافريقي وقيادة الحزب الشيوعي الجنوب افريقي التحريفي تفسخا اجتماعيا، انها اندمجت في الطبقة الوسطى الى حد ان هؤلاء القادة اصبحوا عاجزين عن رؤية مستقبلهم الشخصي ومصالحهم الخاصة منفصلة عن مصالح البرجوازية البيضاء وكذلك مصالح الطبقة الوسطى السوداء الناشئة.
الى هذا المدى لم تعد قيادة المؤتمر الوطني وقيادة الحزب الشيوعي قادرة على تمثيل المصالح الموضوعية لاعضاء القاعدة في منظمتيهما. كما انهم لم يعودوا بعد هذا قادرين على تمثيل مطامح اعضائهم.
تتألف القاعدة الاجتماعية لكلا المنظمتين من اناس عاديين من الطبقة العاملة وعوائلها ممن تتفاقم ثورتهم ضد قياداتهم. يتضح هذا من الصراع الداخلي المتفاقم في المؤتمرات والاجتماعات، وفي نشوء التكتلات داخل هاتين المنظمتين.
جميع الاحزاب السياسية في افريقيا الجنوبية تنكر واقع ان التناقض في قطرنا اليوم هو التناقض بين العمل والراسمال. ولهذا السبب تزدهر الاشتراكية الديمقراطية.
يخبر هؤلاء القادة الطبقة العاملة باننا جميعا في نفس الخندق سوية مع الراسمالية، وان علينا ان نتصرف وطنيا من اجل تقوية افريقيا الجنوبية معا. وفي هذه الاثناء يقوم الراسماليون بالتخندق باطراد وابعاد ملايين العمال. لقد بلغت البطالة ٤٦ % وانتشر الفقر والجوع كالحريق في الغابات ومع ذلك يخبرون الطبقة العاملة ان الحل الوحيد هو الصبر في انتظار زمان افضل وان عليها ان تكون اكثر وطنية.
حين تشتد التناقضات بين العمل والراسمال وتقوم الملايين من العمال بالتعبير عن غضبها واحباطها عن طريق اضرابات بطولية واحتجاجات على الاعداد المتزايدة من العمال الذين يسجلون للتصويت في الانتخابات ، والاعداد المتدنية من العمال الذين يسجلون للتصويت والاعداد المتدنية من اولئك المسجلين الذين يميلون الى الانسحاب. اكثر من اربعين بالمائة من السكان في نطاق العمل يقومون الان بالتعبير عن زوال اوهامهم عن طريق البقاء بعيدين عن التصويت.
جميع الاحزاب السياسة بمن فيها حزب المؤتمر الوطني والحزب الشيوعي في شتى الطرق وبمستويات متفاوتة في الشدة منهمكة فيما وصفه كارل ماركس "بانه يكمل الدولة الراسمالية القائمة".
يخبرون الطبقة العاملة ان المرحلة الحالية للثورة هي مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية . وفي الحقيقة ليس هذا الخط سوى الدعوة الى التعاون الصريح المباشر مع الطبقة الراسمالية الحاكمة، ولذلك فان جميع السياسات والبرامج التي نشأت وتطورت في افريقيا الجنوبية خلال سبعة عشر عاما ليست سوى محاولات لاكمال نضال ماكنة الدولة الراسمالية ولزيادة كفاءات النظام الراسمالي للاستغلال.


بهذا انتهى المقطع الذي قررت اقتباسه من خطاب القائد الشيوعي في جنوب افريقيا. حين قرات هذا المقطع شعرت ان ما حدث في الثورات البرجوازية في البلاد العربية حدث في افريقيا الجنوبية ايضا وفي اواخر القرن العشرين واوائل القرن الحادي والعشرين وهذا اوحى لي بكتابة هذا المقال حول الموضوع.
ان ما حدث بعد ثورة يوليو المصرية شبيه بما جاء في خطاب القائد الجنوب افريقي. ولكني لم اكتب كثيرا عن هذا حول الثورة البرجوازية المصرية وما تلاها من تقاعس الاحزاب الثورية وخصوصا الحزب الشيوعي المصري الذي حل نفسه تلقائيا بعد الثورة. ولا اعرف الحجج التي اتخذها الحزب الشيوعي في حينه للاسباب التي دعته الى حل نفسه مع العلم انني كنت انذاك سجينا. ولكني كتبت كثيرا عما حدث في ثورة تموز البرجوازية العراقية لاني عشتها قبل الثورة وبعد الثورة.
قبل الثورة كانت حياتنا في السجون السياسية العراقية وكانت وسائل ثقافتنا السياسية في السجون هي ما نحصل عليه من ادبيات ماركسية قليلة رغم الحصار الشديد المفروض علينا من قبل ادارة السجون. وحول موضوع الثورة البرجوازية وتحولها الى ثورة اشتراكية كانت الوثائق التي وصلتنا نادرة جدا. لم نحصل مثلا على كراس انجلز "مبادئ الشيوعية" الذي بحث هذا الموضوع باوضح واروع صورة في السؤال الخامس والعشرين من الكراس اقتبسه ادناه:
"بما ان الشيوعيين لا يستطيعون ان يحسبوا انه سيتاتى لهم خوض المعركة الفاصلة ضد البرجوازية قبل ان تبلغ البرجوازية السيادة، فمن مصلحة الشيوعيين مساعدة البرجوازية على بلوغ السيادة في اسرع وقت ممكن لكي يطيحوا بها بدورهم فيما بعد في اسرع وقت ممكن. "(ماركس اتجلس منخبات، المجلد ١ صفحة ١٠٨ – ١۰٩ )
ففي الثورة البرجوازية الالمانية في منتصف القرن التاسع عشر كان راي انجلز ان على البروليتاريا ان تساند الطبقة الراسمالية في ثورتها لكي تنال السلطة لا حبا باعين البرجوازية وانما من اجل التحول بعد الثورة البرجوازية الى الثورة الاشتراكية للاطاحة بالراسمالية.
الا ان اهم وثيقة في هذا الموضوع التي وصلتنا الى السجن لفترة قصيرة كان كراس لينين "تكتيكان". وفي هذا الكراس كان بحث لينين ينطبق مع راي انجلز بان على الشيوعيين ان يشاركوا في الثورة البرجوازية لكي يتحولوا الى الثورة الاشتراكية فور وصول البرجوازية الى السلطة. ولكن راي لينين والبلاشفة كان اكثر جذرية بحيث كان على الطبقة العاملة ان تنافس البرجوازية في قيادة الثورة البرجوازية والنضال من اجل نيل السلطة بالتحالف مع الفلاحين في الثورة البرجوازية وليس ترك القيادة للبرجوازية ومجرد مساندتها في الحصول على السلطة. جاء هذا الخلاف بين انجلز ولينين بسبب تطور الطبقة العاملة في روسيا بحيث اصبح في مقدورها ان تنال السلطة في الثورة البرجوازية بالتحالف مع الفلاحين وهو ما لم يكن ممكنا في الثورة الالمانية.
كان هذا الكراس الوثيقة التي اتخذناها اساسا للتثقيف حول الثورة البرجوازية ودور الطبقة العاملة فيها ونوع الحكم الذي ينجم عن نجاح الطبقة العاملة في قيادة الثورة البرجوازية بدلا من الطبقة الراسمالية.
وكانت لنا وثيقة اخرى محلية حول دور الطبقة العاملة والفلاحين في العراق في الثورة البرجوازية وتحولها الى ثورة اشتراكية في الميثاق الذي اتخذه مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي برنامجا له. ففي هذا الميثاق كان الجزء الاستراتيجي يؤكد على المرحلتين في الثورة العراقية، مرحلة الثورة البرجوازية ومرحلة الثورة الاشتراكية. ولكن هذا الحزء من الميثاق حذف في مؤلفات الرفيق فهد الذي طبع فيما بعد.
وبما ان العديد من قادة الحزب كانوا في السجون لمدد طويلة كان من المفروض انهم كانوا على علم بموضوع الثورة البرجوازية وتحولها الى الثورة الاشتراكية فور نجاح الثورة البرجوازية وبلوغ الطبقة البرجوازية السلطة.
اضافة الى ذلك كتبت كراسا من مائة وعشرين صفحة مكتوبة باليد عن الديمقراطيات الشعبية بحثت فيه تطبيق ما جاء في كراس لينين في الديمقراطيات الشعبية في اوروبا المحررة من النازية بمساعدة الجيش الاحمر والديمقراطيات الشعبية التي تحققت في اسيا في النضال ضد المستعمرين اليابانيين ثم المستعمرين الغربيين في الحرب العالمية الثانية وبعدها. وكانت قيادة المنظمة السجنية قد قررت تدريس هذا الكراس لللجنة القيادية فقط قبل تدريسه للمنظمة ولكن هذا الكراس اختفى في مجزرة سجن الكوت. وكان الكراس مبنيا على اساس نظرية لينين في الثورة البرجوزية وتحولها الى ثورة اشتراكية وموضوع دكتاتورية العمال والفلاحين الثورية في حالة نجاح الطبقة العاملة والفلاحين في قيادة الثورة والحصول على السلطة في الثورة البرجوازية. وكانت الثورة البرجوازية الصينية اهم موضوع في هذا الكراس كمثال على دكتاتورية العمال والفلاحين الثورية ولو ان الديمقراطيات الشعبية في اوروبا ايضا تصلح لان تكون امثلة على ذلك.
اردت مما تقدم ان ابين ان قادة الحزب الشيوعي الذين كانوا في السجون كانوا على علم تام بنظرية لينين البلشفية وبمحتوى ميثاق الحزب الشيوعي.
ولكن الغريب هو ان ما حدث بعد نجاح الثورة البرجوازية العراقية بشكل انقلاب عسكري انسى القادة الشيوعيين ما تعلموه في السجن عن الموضوع. فكانت سياسة الحزب الشيوعي بعد الثورة تاليه الثورة البرجوازية وقائدها عبد الكريم قاسم والتخلي عن قيادة البروليتاريا في اتجاه التعبئة من اجل الثورة الاشتراكية كما حدث في الثورة البرجوازية في روسيا وتحول الحزب البلشفي للتعبئة في سبيل تحقيق الثورة الاشتراكية فور نجاح الثورة البرجواية.
ورغم ان الحزب تخلى عني بسبب يهوديتي بحثت هذا الموضوع في رسالة وجهتها الى اللجنة المركزية للحزب بعد اطلاق سراحي بيومين اقترحت فيها استغلال الجو الثوري القائم بعد الثورة لعقد مؤتمر يبحث امرين هامين هما تحديد الشعار الاستراتيجي لما بعد الثورة ومناقشة الاخطاء التي جرت في فترة ما قبل الثورة. ولكن القيادة لم تستجب لهذه الرسالة. فيما بعد ادركت ان القيادة كانت متأثرة بقرارات المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي وبقيادة خروشوف الهادفة الى اعادة الراسمالية الى الاتحاد السوفييتي.
وكما جاء في مقال القائد الشيوعي الافريقي اصبحت قيادة الحزب ذيلا للبرجواية الى حد انها بلغت عقد جبهة مع حكومة صدام الفاشية المعادية للطبقة العاملة والشيوعية.
وحين سنحت لي فرصة الكتابة عند وجودي في لندن كتبت كتابي عن ثورة تموز وسياسة الحزب الشيوعي ناقشت فيه سياسة الحزب الشيوعي قبل وبعد ثورة تموز صدر في لندن سنة ١٩٨٤ واعيد تصويره ونشره في العراق بعد الاحتلال الاميركي البريطاني.
وما دفعني الى ان اكتب كل هذا المقال هو اني حين قرات مقال هذا القائد الشيوعي شعرت ان هذا السلوك اللاماركسي كان ظاهرة عامة جرت ليس فقط في افريقيا الجنوبية بل حدثت قبل هذا في الهند وباكستان وسنغافورة وبورما واندونيسيا وسيام وغيرها. وكان اخطر هذه الحالات ما حصل في الصين التي تحققت فيها الثورة البرجوازية بقيادة الطبقة العاملة ونشأت فيها دكتاتورية العمال والفلاحين الثورية في دولة الديمقراطية الشعبية. كان على هذه الدولة ان تسلك السلوك الصحيح في تحويل الثورة من اعلى من قبل السلطة ومن اسفل في العمل الشعبي البروليتاري الى ثورة اشتراكية بدون الحاجة الى ثورة مسلحة ولكنها عجزت عن السلوك الصحيح فتحولت الصين مرة ثانية الى دولة راسمالية امبريالية كغيرها من الدول الامبريالية.
لقد اثبتت جميع الشعارات الرنانة التي نشات بتاثير الانتهازية الخروشوفية في ارجاء العالم خطلها ابتداء من قرار الانتقال السلمي للاشتراكية المتخذ في المؤتمر العشرين وشعار التنافس السلمي بين النظام الراسمالي والنظام الاشتراكي وقدرة النظام الاشتراكي على الانتصار وتحقق التعايش السلمي الخروشوفي بين الراسمالية والاشتراكية وحتى تحديد موعد تحول الاتحاد السوفييتي الى الشيوعية بقرار حزبي. وشعارات نشأت في دول ما يسمى بالعالم الثالث مثل التطور اللاراسمالي صوب الاشتراكية وسياسة التوجه الاشتراكي وسياسة الجبهات بين الاحزاب الشيوعية والحكومات البرجوازية صوب تحقيق الاشتراكية وشعار استكمال الثورة وشعار الثورة الديمقراطية وغيرها من تلك الشعارات.
ان العالم اليوم بحاجة الى احزاب ماركسية حقيقية تدرك فور نجاح الثورة البرجوازية بقيادة البرجوازية بان التناقض اصبح بين الطبقة العاملة والطبقة البرجوازية الحاكمة وضرورة التحول الى مرحلة الثورة الاشتراكية للاطاحة بالنظام الراسمالي وتحقيق الاشتراكية. بحاجة الى احزاب تناضل في سبيل قيادة الطبقة العاملة والفلاحين للثورة البرجوازية وتحقيق دكتاتورية العمال والفلاحين الثورية. بحاجة الى احزاب تدرك ان الاحزاب الشيوعية ليست هي القوة الاساسية بل هي مجرد احزاب عديمة القوى بدون الطبقة العاملة وحلفائها. احزاب تدرك ان الطبقة العاملة هي القوة الثورية الحقيقية القادرة على تحقيق الثورة وان دور الحزب الشيوعي الحقيقي يقاس بمقدار نجاحه في توحيد الطبقة التي هو جزء منها وتحقيق التحالف بين الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين وبغير ذلك لا يكون الحزب حزبا ماركسيا حقيقيا. وباختصار يعلم الحزب انه لا حول ولا قوة له الا بالطبقة العاملة وحلفائها وان واجبه كجزء واع منها هو ان ينظمها ويوعيها ويقودها في شعارها الاستراتيجي الوحيد، شعار الاطاحة بالنظام الراسمالي وتحقيق المجتمع الشيوعي حيث يصبح الانسان انسانا.
ولابد من الاشارة الى الثورات الحادثة في بعض البلدان العربية، ثورات الربيع العربي، وهي ثورات شعبية عظيمة ولكنها ليست ثورات ضد النظام الراسمالي وانما هي ثورات من اجل تحقيق نظام راسمالي اقل فسادا ولذلك فهي لم تنجح في تحقيق الاهداف الشعبية التي هدفت الى تحقيقها. فالبطالة والفقر والجوع والشقاء هي من مستلزمات النظام الراسمالي لان الراسمالية لا يمكن ان تعيش بالقضاء على البطالة والجوع والفقر . وتعني العدالة الاجتماعية في النظام الراسمالي بانها عدالة تصون وتحمي استغلال الطبقة الراسمالية وليست عدالة اجتماعية بالنسبة لاكثرية الشعوب الكادحة.
كذلك الثورات التي تحدث في اميركا الجنوبية ضد السيطرة الامبريالية الاميركية. فهي حققت تقدما في هذا المجال ولكن مصيرها الحقيقي غير واضح لانها ليست ثورات ضد النظام الراسمالي ككل وانما ضد السيطرة الامبريالية الاميركية.

2012-04-27

حاميها حرامي جلال الطالباني

/
العدد: 360780 26 - حاميها حرامي جلال الطالباني 2012 / 4 / 25 - 20:21 التحكم:
الحوار المتمدن

 الرفيق باروار-  شيوعي ماوي عراقي

ليس من الغريب ان يقوم شيخ اقطاعي مثل الطالباني والبارزاني بمجزرة ضد الشيوعيين او العمال او الفلاحين اذ ان ذلك احد مقومات الطبقة الاقطاعية فالطبقة الاقطاعية عدو صريح للطبقة العاملة والفلاحين وحتى الى درجة معينة للبرجوازية الوطنية. ولكن الغريب هو ان تقوم الطبقة العاملة او يقوم ممثلوها بالتعاقد والتحالف مع الشيخ الاقطاعي على انه جزء من الحركة الوطنية او الحركة الثورية او حركة الاطاحة بالنظام القائم. الغريب هو التخلي عن بحث الاحلاف السياسية على اساس التكوين الطبقي للفئات المتحالفة. وهذا ما حدث في الجبهة مع الحكومة البعثية وهذا ما حدث في التحالف مع الطالباني في جبهة جود التي اعتبرت مثالا نموذجيا للجبهة العريضة المنتظرةالغريب ان كاتب المقالة وبطانتة يعترضون ,يحتجون على كتابات الرفيق صباح زيارة باعتبارها سوقية واتهامة عميل لصدام ولحزب البعث !بنفس الوقت يطالب كاتب المقالة وبطانتة عدم إطلاق التهم قبل التيقن وليس التأكد منها وبالدليل القاطع الذي لايقبل الشك ؟ أما السيد زيارة فهو للأسف الشديد يكيل التهم جزافاليس من الغريب ان يقوم شيخ اقطاعي مجرم مثل الطالباني بمجزرة ضد
الشيوعيين
ان تجاهل التكوين الطبقي عند عقد التحالفات هو انحراف عن الطريق الثوري للطبقة العاملة والقيادة التي تقوم بذلك هي قيادة منحرفة او تحريفية او انتهازية وليس امر انحراف قيادة الحزب الشيوعي العراقي قابلا للنقاش وقد كتب الكثيرون عن هذا الانحراف من داخل الحزب ومن خارجه بحيث لا يحتاج الموضوع الى مزيد من النقاشان تاريخ الاحزاب العمالية زاخر بالانحرافات اهمها كان انحراف قيادات الاممية الثانية في الحرب العالمية الاولى والانحرافات الشاملة بعد استيلاء زمرة خروشوف التحريفية على قيادة الحزب البلشفي وقد كان لانحرافات الزمرة الخروشوفية تاثير كبير على انحراف قيادة الحزب الشيوعي العراقي كما اثرت على انحراف قيادات جميع الاحزاب الشيوعية في العالمان ظاهرة التمسك بالاحزاب التحريفية على اساس تاريخها المجيد حين كانت احزابا ثورية ممثلة حقيقية للطبقة العاملة ظاهرة شديدة الخطورة هي عبادة الحزب
مجزرة بشتأشان
تقف ورائها تحالف ومصالح الاقطاعية الباراطالبانية والقيادة التحرفية الانتهازية لحزب الشيوعي العراقي وصدام
تحية حارة للرفيق صباح زيارة

2011-11-17

جواب على تعليق "الثورات السلمية لن تحقق اهدافها ومطالبها

الرفيق حسقيل قوجمان



حول مقالي "الثورات السلمية لن تحقق اهدافها ومطالبها" جاء تعليق طويل من قارئ عزيز يحتوي على عدد كبير من التساؤلات المهمة تنصب كلها حول امكانية تحويل هذه الثورات الشعبية الى ثورات تهدف الى اسقاط النظام حقا وتحقيق نظام خال من الاستغلال اي نظام اشتراكي بدل النظام الراسمالي القائم حاليا. وهذا موضوع يختلف عن موضوع المقال ولم يجر التطرق اليه في المقال اطلاقا.
الموضوع الذي ناقشته في المقال هو ما تستطيع هذه الثورات السلمية ان تحققه وما لا تستطيع تحقيقه. اي انني حاولت في المقال تحليل ما جرى ويجري في هذه الثورات الشعبية وليس انتقادها او تحويلها الى ثورات حقيقية هدفها الاسقاط الحقيقي للنظام الراسمالي القائم. فقد قامت ثورتان سلميتان في تونس ومصر وحققتا جزءا من اهدافهما باسقاط راسي النظام. وكان تأثيرهما عالميا وليس محصورا في نطاق الدول العربية او الشرق الاوسط. ولم اناقش امكانية هاتين الثورتين تحقيق اهدافهما المعلنة التي لم تحققا شيئا منها حتى الان. فكل المتحدثين لصالح الثورة المصرية يقرون بان المجلس العسكري المصري لم يحد قيد شعرة عن سياسة مبارك وان كل اهدافه هي تحقيق نظام اشد صرامة وقسوة وظلما من نظام مبارك. وهذا كان واضحا منذ اول مقالاتي عن ثورة الشعب المصري.
ما ناقشته في مقالي الاخير يختلف عن ذلك. ففي الواقع المصري قامت فعلا ثورة او انتفاضة شعبية هائلة وضع الثوار لهم فيها اهدافا يريدون تحقيقها ولم تتحقق بعد. يريدون اسقاط النظام والنظام لم يسقط بعد. يريدون محاكمة اقطاب النظام ولم يتحقق ذلك بعد. يريدون استعادة الاموال المنهوبة والمهربة ولم يحققوا ذلك بعد. يريدون ازاحة فلول النظام من المؤسسات الحكومية ولم يحققوا ذلك بعد. يريدون الغاء احكام الطوارئ ولم يحققوا ذلك بعد. يريدون حرية وكرامة وعدالة اجتماعية ولم يحققوا ذلك بعد. حتى مطلب بسيط، مطلب تحديد الحد الادنى للاجور لم يتحقق بعد تسعة اشهر من الثورة. وكل القوانين والمراسيم التي يجري سنها من قبل المجلس العسكري تدل بوضوح على ان المجلس لا يريد تحقيق اي من اهداف الثورة. وانا لم اناقش شيئا من ذلك في مقالي الاخير.
افترضت في مقالي ان الثورة تحقق اهدافها المعلنة رغم كل هذه العقبات والصعوبات. وبينت في مقالي ان كل المطاليب والاهداف التي تستطيع هذه الثورة السلمية عند نجاحها نجاحا تاما تحقيقها لن تعني تحقيق اهدافها الاساسية. فالنظام القائم في مصر نظام طبقي راسمالي ولا تطالب الثورة بازاحة النظام الراسمالي. والنظام الراسمالي يعني وجود طبقة راسمالية هي الطبقة الحاكمة والمسيطرة على جميع ثروات المجتمع. والطبقة الراسمالية لا يمكنها ان تعيش الا عن طريق استغلال العمال والفلاحين وصغار المراتب المتوسطة. وعلى هذا الاساس توصلت الى ان هذه الثورة السلمية لن تستطيع تحقيق مطالبها حتى لو نجحت نجاحا تاما. فان البطالة والفقر والازمات الاقتصادية مثلا صفات ملازمة للراسمالية ولا يمكن للنظام الراسمالي ان يستمر بدونها. وكلما تطورت الراسمالية وازدات ثروات الطبقة الراسمالية ازداد الفقر والعوز والبطالة بين الطبقة العاملة والكادحين. وتشهد على ذلك حركة التسعة والتسعين في الولايات المتحدة اذ تعتبر ان الفقر والعوز يشمل تسعة وتسعين بالمائة من الشعب الاميركي والثراء ينحصر لدى الواحد بالمائة منه. والعدالة الاجتماعية في النظام الراسمالي لا تعني سوى العدالة الاجتماعية للطبقة الراسمالية وما تحصل عليه الطبقات الكادحة من فتات هذه العدالة لا تحصل عليه الا بالنضال الدائم ضد النظام الراسمالي.
اقتبس الان جزءا من التعليق على مقالي:
"الكلاسيك الماركسي المعروف ولكن اين هي الحقيقة الممكنة الان؟
هل بامكان الجماهير الحالية في تنظيمها المشتت, ووعيها المشوه ان تأخذ المبادرة وتحقق خطوة كبيرة نحو هذه العدالة المرجوة بكل ما يتضمن ذلك؟ اليس الوعي الطبقي هو جزء مهم من اداة الصراع؟ اليس الحزب ضرورة طبقية في الصراع الطبقي؟هل لدينا طبقة عاملة منتجة واضحة؟ هل ان العمال العراقيين اليوم او المصريين يفضلون سلوكياً واجتماعياً الانتماء لطبقتهم اكثر من انتمائهم لطائقفتهم او عشيرتهم؟"
السؤال حسب رايي ينبغي ان يكون اين هو الكلاسيك الماركسي؟ فهل يوجد بين جميع الاحزاب والمنظمات التي تدعي تمثيل الطبقة العاملة وقيادتها من يتحدث ولو بكلمة عن الكلاسيك الماركسي. كل الاحزاب والمنظمات تدعي تبني الماركسية ولكن اية ماركسية؟ الماركسية الكلاسيكية هي ماركسية ماركس انجلز لينين ستالين فهل يناضل اي حزب او اية منظمة تدعي الماركسية وفقا لمتطلبات هذه النظرية؟ اتفق مع قارئي العزيز على عدم وجود اثر لهذا الكلاسيك الماركسي في الواقع السياسي في مجتمعاتنا الحالية.
ولكن من المسؤول عن هذا الوضع المشوه ومن المسؤول عن تشتت هذه الجماهير تنظيميا في ايامنا؟ هل الجماهير هي المسؤولة عن هذا التشتت ام المنظمات والاحزاب التي من المفروض ان تنظم وتقود هذه الجماهير وفقا للكلاسيك الماركسي هي المسؤولة لانها توجه الكادحين ضد مصالحهم الطبقية؟ السبب الحقيقي لهذا التشتت في ارجاء العالم هو تحول الحزب البولشفي بقيادة خروشوف والخروشوفيين عن الكلاسيك الماركسي وتحوله الى حزب تحريفي يقود شعوب الاتحاد السوفييتي في طريق العودة الى الراسمالية وسير اغلب الاحزاب الشيوعية في العالم في اعقابه في الطريق التحريفي للكلاسيك الماركسي. ان الجماهير ليست هي المسؤولة عن هذا التشتت التنظيمي وقد اثبتت ثورة الشعبين التونسي والمصري والشعوب المنتفضة الاخرى التي تلتها في ارجاء العالم على استعدادها للنضال والتضحية في سبيل تحقيق ما تراه ضروريا من اجل تحررها والقضاء على بؤسها وحرمانها واستغلالها. اثبتت الجماهير الشعبية استعدادها للنضال حتى بدون اي من الاحزاب العديدة القائمة سواء تلك التي تدعي الماركسية او غيرها. حولت الجماهير الثائرة هذه الاحزاب العديدة الى منظمات تافهة ملحقة بالثورة اضطرت الى اللحاق بالثورة لكي تثبت وجودها ولكي تستغل نجاح الثورة لركوب الموجة والاستيلاء على مكاسب الثورة كانها هي التي قادت الجماهير فيها. وهذا واضح اشد الوضوح في الاوضاع المصرية حاليا حين اجتمعت ثلاثة عشر حزبا لا دخل لها بالثورة مع المجلس العسكري كانها تمثل جماهير الثورة ولم يحضر معها اي من قادة الثوار الحقيقيين.
يسائل المعلق "هل لدينا طبقة عاملة منتجة واضحة؟" لا افهم معنى الطبقة العاملة المنتجة الواضحة. هل هناك مثلا عامل نسيج منتج واضح وعامل نسيج منتج غير واضح؟ يبدو لي ان المعلق عراقي ولابد انه يعلم شيئا عن النضالات الطبقية في العراق في الاربعينات حين كان الحزب الشيوعي العراقي حزبا شيوعيا حقيقيا يقود الطبقة العاملة والفلاحين وجماهير الشعب وفقا للكلاسيك الماركسي الحقيقي. هل تحول عمال السكك والميناء والنفط مثلا الى عمال غير منتجين واضحين؟ العامل هو عامل منتج واضح لانه عامل وليس في الوجود عامل منتج غير واضح. العمال العراقيون والمصريون وفي ارجاء العالم هم نفس العمال الذين يرزحون تحت نير الاستغلال الراسمالي ويشعرون بهذا الاستغلال في معيشتهم، في معاناتهم، في بطالتهم، في عجزهم عن تربية اطفالهم تربية صحيحة، عجزهم عن ادخال اولادهم الى الجامعات بسبب غلاء اسعار التعليم. يعانون من استعباد المرأة استعبادا مضاعفا. انهم نفس العمال الذين شنوا نضالاتهم البطولية تحت قيادات شيوعية حقيقية. الطبقة العاملة والفلاحون والطلاب والمراتب المتوسطة الفقيرة هي نفسها كما كانت قبلا وهي على اتم الاستعداد للنضال والتضحية في سبيل المبادئ التي تؤمن بها ولكن قياداتها الحقيقية هي التي تغيرت، هي التي تشتتت وهي التي خلقت تشتت الجماهير الكادحة.
من افظع المفاهيم التحريفية التي سادت في الحركة الشيوعية العالمية نتيجة للتحريفية الخروشوفية هي القاء اللوم في انحسار النضال الثوري على الطبقة العاملة والفلاحين وفقراء المراتب المتوسطة، على الجماهير. التثقيف بعدم وجود الطبقة العاملة المنتجة الواضحة وحتى بعدم وجود طبقة عاملة وطنية. مفاهيم يروجها هؤلاء التحريفيون لاخفاء تقاعسهم وتخاذلهم وتخليهم عن قيادة النضال الثوري الحقيقي وتوجيه اللوم على الطبقة العاملة والفلاحين والجماهير الشعبية على انها هي التي اصبحت جماهير غير مؤهلة لخوض النضالات الثورية. انهم يلقون تهمة تخليهم عن النضال على هذه الطبقات الشعبية. اين عمال السكك والميناء والنفط الذين شنوا نضالات ثورية هائلة؟ اين جماهير كاور باغي؟ اين جماهير الوثبة ضد معاهدة بورتسموث؟ اين الازيرج وفلاحو الشامية؟ الم تكن الطبقة العاملة واضحة الوجود في جميع هذه النضالات الثورية؟ الم يكن الفلاحون قوة جبارة في تآلفهم مع الطبقة العاملة في نضالاتهم؟
هناك احزاب ومنظمات عديدة في العراق اليوم وفي مصر وجميع بلدان العالم بما في ذلك البلدان الراسمالية المسيطرة على الاقتصاد العالمي قابعة في ابراجها العاجية تصدر اوامرها ونداءاتها ومقترحاتها للجماهير وتطلب منها القيام بانتفاضة او باضراب عام او باي نشاط ثوري من هذه الابراج. ليست هذه قيادة رغم كل ما يتبحج به قادة هذه الاحزاب والمنظمات. النضال القيادي الحقيقي هو النضال في صفوف الجماهير وليس في الابراج العاجية. في الثورة التونسية والثورة المصرية لم يبق القادة الذين حركوا الجماهير لهذه الانتفاضات بالرسائل الالكترونية عبر سيفبوك بل كانوا هم اول من نزل الى الشارع وسط الجماهير.
اعتقد ان النضال الحقيقي لكل من يؤمن ويحاول النضال وفقا للماركسية الكلاسيكية هو نبذ كل هذه الاحزاب الورقية والنزول الى صفوف الجماهير من الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والكادحين وسائر العناصر الكادحة يدرسون احوالهم المعاشية ومشاكلهم الخاصة وظروف عملهم وان يكتبوا لهم العرائض والاحتجاجات وان ينظموا لهم الاضرابات وعند ذاك سيجدون ان الطبقة العاملة هي الطبقة العاملة المؤهلة لقيادة وتحقيق الثورات والانتفاضات وهي القادرة على تحطيم النظام الامبريالي المسيطر على ثروات وشعوب العالم. على مثل هؤلاء المناضلين ان يواصلوا في الوقت ذاته دراسة واستيعاب الماركسية الكلاسيكية التي تؤهلهم لقيادة الجماهير قيادة صحيحة. عن طريق هذا النضال يبرز القادة الحقيقيون للطبقة العاملة وينشأ الحزب القائد الحقيقي للطبقة العاملة والكادحين وسط النضال من بين الجماهير.
يسائلني كاتب التعليق قائلا: "هل ان العمال العراقيين اليوم او المصريين يفضلون سلوكياً واجتماعياً الانتماء لطبقتهم اكثر من انتمائهم لطائقفتهم او عشيرتهم؟"
عزيزي المعلق ان العمال العراقيين هم نفس العمال العراقيين الذين ناضلوا تحت قيادة فهد في الاربعينيات من القرن الماضي. ففي تلك الفترة كانت النجف وكربلاء قلعتان من قلاع الحزب. وكانت المسيرات الدينية التقليدية بين هاتين المدينتين تتحول الى مظاهرات ترفع شعارات الحزب الشيوعي الى درجة ان الحكومة كانت تفكر في منعها. وكانت كردستان كلها قلعة من قلاع الحزب الشيوعي. كنا جميعنا نشترك في المظاهرات في الكاظمية لا فرق بين سني وشيعي، مسلم ومسيحي ويهودي وصابئي وارمني واثوري، عربي او كردي بدون ان يلتفت اي من المتظاهرين او الشعب في الكاظمية الى هذا الاندماج العظيم بين جميع فئات الشعب العراقي. المشكلة الحقيقية هي عدم وجود القيادة والمناضلين الحقيقيين الماركسيين الكلاسيكيين في صفوف الجماهير. هنا ايضا علينا الا نوجه اللوم الى الجماهير بل نوجهه الى مدعي قيادتها الذين يوجهونها توجيها دينيا وقوميا وطائفيا وانتهازيا.
اتفق مع الاخ المعلق بان الحزب ضرورة حتمية لقيادة الطبقة العاملة والكادحين نحو الثورة على النظام الراسمالي وتكوين النظام الاشتراكي الخالي من الاستغلال. ولكن ظروف تشكيل مثل هذه الاحزاب في ايامنا تختلف عن ظروف تشكيلها في الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي. في تلك الفترة كان هناك الحزب البولشفي الذي قاد الثورة وكان منهمكا في قيادة بناء المجتمع الاشتراكي والسير في اتجاه تحقيق المجتمع الشيوعي. في تلك الظروف كانت جامعة كادحي الشرق في الاتحاد السوفييتي تربي وتدرب قادة شيوعيين ماركسيين من ارجاء العالم. في تلك الظروف كانت الاممية الثالثة كمنظمة عليا للحركة الشيوعية العالمية لا تقبل من كل بلد سوى حزب واحد تتفق برامجه وانظمته وسياساته وقواعد الاممية الثالثة. كانت الحركة الشيوعية في حالة تطور دائم يشمل العالم كله، حركة شيوعية عالمية موحدة. كانت هذه الاممية تعبر عن واقع ان الطبقة العاملة العالمية طبقة واحدة ينبغي ان تكون لها قيادة واحدة وكانت الاحزاب الشيوعية في كل بلد جزءا من هذه القيادة الواحدة.
فما هو وضع تشكيل الاحزاب الشيوعية الحقيقية المؤهلة لقيادة الطبقة العاملة والكادحين في ثورة تطيح بالنظام الراسمالي وتحقق النظام الاشتراكي في ايامنا؟ تختلف الظروف الحالية اختلافا جوهريا عن تلك الظروف. فقد تحطمت القيادة العالمية من جراء تحول الحزب البولشفي الى حزب تحريفي وسير الحركة الشيوعية العالمية في اعقابه. وبدلا من حزب ماركسي واحد لكل بلد اصبحت تنشأ احزاب عديدة تدعي تمثيل وقيادة الطبقة العاملة وتدعي اعتناق الماركسية. واصبح الكثير من المنظرين التحريفيين يزعمون بضرورة التعددية الحزبية للطبقة العاملة. فاذا اخذنا العراق مثلا توجد الان عشرات الاحزاب والمنظمات والجماعات الشيوعية مع اضافات مختلفة الى اسمائها لتمييزها عن الاحزاب الاخرى تتصارع فيما بينها وليس لاي منها علاقة بالطبقة العاملة وبنضالاتها الحقيقية. واصبحت الطبقة العاملة لا تعرف اين تتجه والى اي حزب تنتمي ليقودها قيادة حقيقية نحو تحقيق اهدافها الانية والاستراتيجية. ولم تعد ثمة منظمة عالمية ماركسية توجه وتنتقد وتقبل في عضويتها الحزب الممثل الحقيقي للطبقة العاملة في البلد المعين. ان التشتت الحقيقي ليس في الطبقة العاملة بل في الاحزاب التي تدعي قيادة الطبقة العاملة. ولا اتحدث هنا عن المحاولات الجادة في ارجاء العالم من اجل خلق اممية جديدة تماثل الاممية الثالثة.
في هذه الظروف الحالية يختلف تشكيل الاحزاب الثورية الحقيقية للطبقة العاملة عن تشكيلها في الماضي. فبينما كان تشكيل الاحزاب الثورية الحقيقية يجري تحت اشراف الاممية لم تعد هناك اممية تصادق على الحزب الثوري الحقيقي للطبقة العاملة في اي بلد. في هذه الظروف ينبغي نشوء هذه الاحزاب من القاعدة، من صفوف الطبقة العاملة، في حومة النضال الثوري الذي تخوضه الطبقة العاملة وسائر الكادحين.
لذلك اكرر رايي بان النضال الماركسي الكلاسيكي لا يجري في الابراج العاجية بل يجري في صفوف الجماهير الكادحة. وان من واجب كل انسان يؤمن بالماركسية الكلاسيكية وبضرورة الثورة الاشتراكية وقيادة الجماهير الكادحة الانسلاخ من هذه الاحزاب الورقية والنزول الى صفوف الجماهير وعن هذا الطريق فقط، في حومة النضال، ينشأ الحزب القائد الحقيقي للجماهير نحو الثورة على النظام الراسمالي وليس الاكتفاء بالثورة على فئة من الطبقة الراسمالية من اجل اصلاح النظام بدون الاطاحة به.

2011-10-26

تحيتي الى قلم رصاص

حسقيل قوجمان

تحيتي الى قلم رصاص



كان احد المعلقين على مقالتي الاخيرة حول ثورة الشعب المصري معلقا بتوقيع قلم رصاص. اذا كان هذا القلم رصاس هو القلم رصاص الحقيقي فان مما يسعدني ويشرفني ان يكون الاستاذ الاعلامي الكبير حمدي قنديل احد المعلقين على مقال لي. فانا كنت اعتبر مشاهدة برنامجه قلم رصاص واجبا ولا افوت حلقة منه طالما كنت استطيع العثور عليها. وحتى الان ابحث عن مقالاته واقرأها بكل امعان لما فيها من اراء انتقادية صريحة ودقيقة وصحيحة ولكن المقالات التي اعثر عليها قليلة نشرت في موقع ثوابتنا وحبذا لو استطيع الحصول على المقالات غير المنشورة في هذا الموقع.


وبهذه المناسبة اجد من المناسب الاشارة الى القنديل الثاني، عبد الحميد قنديل، الذي اقرأ مقالاته المنشورة في نفس موقع ثوابتنا وسعدت بمتابعة حديثه في برنامج ناس بوك لهالة سرحان يوم السبت ٢٢/ ١٠ وآرائه الرائعة والدقيقة والصارمة حول ما يجري في مصر من قبل المجلس العسكري وزبانية الثورة المضادة. وقد اعجبت خصوصا بشرحه الرائع للقوانين بصورة لم اسمعها من شخص اخر. فقد بين ان الثورة اسقطت جميع القوانين واصبح القانون هو قانون الثورة الذي يؤدي عند نجاحها الى دستور وقوانين جديدة مناسبة للمجتمع الجديد الذي تخلقه الثورة’ فالذين يتحدثون عن دعوتهم لدولة القانون في الواقع لا يقولون شيئا اذ لم تكن في التاريخ الاجتماعي دولة بدون قانون منذ اول قانون مكتوب، قانون حمورابي، وقبله. ان من يريد دولة قانون عليه اولا ان يحدد ما هو القانون الذي يريد ان تدار دولته بموجبه ولمصلحة اي جزء من المجتمع يجري سنها. لا اعرف ان كان القنديلان نفس القنديل ام انهما يحملان نفس الاسم ولكنهما قنديلان ينوران ثورة الشعب المصري العظيمة. ومما يسعدني انني رغم عدم كوني مصريا وعدم وجودي في ميدان الثورة توصلت منذ اول مقال كتبته عن الثورتين الى اراء شديدة الشبه باراء الاستاذ عبد الحميد حول الثورة وحول الثورة المضادة وحول الاخطار التي تهدد الثورة فيما لو هدأت وتوفرت الظروف المناسبة لاعداء الثورة في بدء الهجوم على الثورة وعلى قياداتها ومفكريها بعد هدوء ساحات التحرير او تعب الثوار وهو ما تريد الثورة المضادة الوصول اليه.


اعود الان الى تعليق قلم رصاص على مقالتي واقتبسه بنصه ادناه:


خلط
 
 قلم رصاص
تكتب وكأنك لم تسمع عن غاندي او عن الثورات المخملية او الملونه او الثورات باسماء الورود في التسعينات . لا يمكن تهميش الاسلوب السلمي للمطالبة بالحقوق لمجرد ان مصر اكثر من 80 مليون ثلثهم اميين وبعضهم في الصعيد او الريف لا يعلم حتى الان ان الريس -تنحى- - على كل شكرا لك
اولا حول غاندي. لم تكن حركة غاندي السلمية ثورة شعبية وانما كانت حركة نالت بعض الشهرة لطريقة غاندي الشاذة في تحقيقها. وكان الهدف من حركة غاندي تحرير الهند من الاستعمار البريطاني ولكن من الواضح تاريخيا ان حركة غاندي لم تحقق هدفها، تحرير الهند. والواقع التاريخي هو انه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية كانت ثمة بوادر ثورة شعبية عارمة ضد الاستعمار البريطاني مما اجبر البريطانيين على مساومة الطبقة البرجوازية الهندية بقيادة جواهر لال نهرو لمنح الهند استقلالا شكليا من اجل تفادي الثورة وتقسيم الهند بطريقة سايكس بيكو بحيث ان الدولتين، الهند والباكستان، كانتا وما زالتا في حرب ساخنة احيانا وباردة احيانا اخرى حول احتلال كشمير. فحركة غاندي السلمية لم تحقق هدفها.
واعتقد ان من الظلم المقارنة بين الثورات الملونة التي جرت وتجري في اوروبا مع الثورة المصرية. فهذه الثورات الملونة ليس هدفها تحقيق مصالح شعوب هذه البلدان وانما تهدف الى زيادة خضوعها واستغلالها من قبل الدول الامبريالية وخصوصا الولايات المتحدة. فهي ليست ثورات شعبية ولا تصح مقارنتها بثورة الشعب المصري الشعبية العظيمة.
نعود الان الى الثورة المصرية. ففي كل مقالاتي، وبضمنها المقال الاخير، لم يكن ثمة اي تهميش للاسلوب السلمي للثورة ولا الاستهانة بما حققته وما تستطيع تحقيقه فيما لو تغلبت على الثورة المضادة. فهذه الثورة مع اختها ثورة الشعب التونسي ارسلت اشعتها ليس الى الدول العربية فقط بل الى العالم كله من حركة احتلال الوول ستريت وحتى حركة احتلال سيدني في استراليا. ولكن جل المقال هو ان هذه الثورة لدى نجاحها التام والتغلب على الثورة المضادة تستطيع باهدافها المعلنة ان تحقق اصلاحا للنظام القائم. تستطيع تحقيق بعض الاستقلال من الخضوع التام لاوامر الامبريالية العالمية، تستطيع مكافحة الخصخصة والعولمة وهما وجهان لعملية واحدة، تستطيع تحقيق الحريات الديمقراطية بحدود معينة، تستطيع تحقيق حقوق التنظيم والتظاهر والاضراب وحرية ابداء الراي، تستطيع الغاء قانون الطوارئ الذي هو في حقيقته الغاء الدستور والقوانين القائمة في البلاد، تستطيع تحقيق دستور جديد ليس مفصلا لقياسات مبارك او جمال، تستطيع تحقيق شعار الحد الادني لللاجور وربما الحد الاعلى للاجور، تستطيع تحقيق مساواة المراة بالرجل في الاجور والحقوق.
ولكن الثورة لن تستطيع تحقيق اسقاط النظام الراسمالي وتحقيق نظام لا راسمالي. ولذلك لا تستطيع القضاء على البطالة والغاء الفقر لانهما ملازمان للنظام الراسمالي اذ ان وجود النظام الراسمالي مستحيل بدون انتشار البطالة والفقر. انها لا تستطيع ان تجعل المشاريع الصناعية والزراعية لصالح منتجيها لانها في النظام الراسمالي تعود لمالكيها من رجال الاعمال والراسماليين. انها لا تستطيع تحديد ارباح الشركات المحلية والشركات العالمية التي لا تهدف الا الى نهب ثروات الشعب المصري بحجة الاستثمار الاجنبي. انها لا تستطيع الغاء العلاقة بين النظام الراسمالي المصري والنظام الراسمالي العالمي والسوق العالمية وتحقيق تظام اقتصادي مستقل عن الامبريالية المستولية على ثروات العالم كله. ان ما يسمى هدف تحقيق العدل الاجتماعي في الثورة المصرية لا يمكن ان يتعدى العدل الاجتماعي السائد في جميع البلدان الراسمالية. فالعدل الاجتماعي في بلد راسمالي هو عدل اجتماعي يحقق ويضمن قبل كل شيء ما يعتبر عدلا اجتماعيا للطبقة الحاكمة الراسمالية
ان مقالي ليس تهميشا لما يستطيع الاسلوب السلمي ان يحققه بل تقديرا حقيقيا لما يستطيع هذا الاسلوب تحقيقه وما لا يستطيع تحقيقه. وهذا ليس مجرد ابداء راي حول الثورة وحول الاهداف التي تستطيع تحقيقها. ان التمييز بين ما تستطيع الثورة تحقيقه وما لا تستطيع تحقيقه هو ضرورة حتمية ينبغي ان يعرفها كل ثائر وكل قائد من قادة الثورة وكل من يحب الثورة ويريد لها النجاح. ان توجيه الثورة في اتجاه لا تستطيع تحقيقه لا يؤدي الى نجاح الثورة بل يؤدي الى كارثة. يؤدي الى فشل الثورة في معركة هي غير معدة لها وغير مهيأة لخوضها وغير واعية لمخاطرها وليست لها القوى المناسبة لخوضها. ان عدم التمييز بين ما تستطيع الثورة تحقيقه وما لا تستطيع تحقيقه احد العوامل الاساسية لفشل الثورة والتضحيات الهائلة الناجمة عن فشلها.
واكثر من ذلك انه ليس في المقال مطالبة الشعب المصري في ظروفه الحالية للقيام بثورة اخرى تختلف بطبيعتها عن الطبيعة السلمية لهذه الثورة العظيمة نظرا الى ان القيام بثورة اخرى يتطلب ظروفا اجتماعية وشعبية واقتصادية وثقافية واعلامية تختلف عن ظروف هذه الثورة الشعبية السلمية. قد يتاح لي مناقشة هذا الموضوع اذا نجحت في كتابته.
واخيرا احييك واشكرك على اتاحة لي هذه الفرصة للتعبير عن تقديري الحقيقي للثورة المصرية والتعبير عما تستطيع تحقيقة اذا حققت انتصارها التام على الثورة المضادة. وتقبل عاطر تحياتي.